هلّل الكثيرون لنجاح قيل إنه تم في ميدان محاربة الإرهاب.. قد يكون هذا النجاح صحيحا الآن؛ فالعلم نفسه يعترف بإمكانية حدوث نجاحات عرضية مضلِّلة.. صحيح أن الملايير تُصرف في محاربة الإرهاب، ومعظم هذه الأموال الطائلة تخص بالدرجة الأولى المقاربة الأمنية، والنشاطات الاستخباراتية فيما أصل الإرهاب هو فكر ظلامي خالص؛ والفكر عامة لا يُقاوم بالرصاص، أو بالمعتقلات، أو السجون؛ هذا هراء.. لقد ركّزت كل استراتيجيات محاربة الإرهاب على تجفيف منابع تمويل الإرهاب من أبناك، ومنظمات خيرية، وقس على ذلك، ولكنها للأسف الشديد لم تستهدف المنابع الفكرية، والتراثية لهذا الإرهاب الذي يوظف أفكار القتل، والدمار الموجودة في بطون الكتب والمراجع التراثية، والتي تخلق أجيال الإرهاب في المستقبل، ثم إن السجون تضفي “طابع الشرعية” على فكر ونشاط الإرهابي؛ أما إذا قُتل فإنه يسمى شهيدا من طرف من وظفوه، وعبؤوه، وغرروا به بواسطة غسل الدماغ، وبرروا له انتحاره، وغدره للآخرين، بروايات، ثم وعدوه أنه بمجرد أن يموت، سيبيت مع حورية من حور العين، لها “قُبلٌ شهي وله […] لا ينثني، والقبلة وحدها مدتها 500 سنة، أما الإيلاج فبالتدمية والألم..” كل هذه “النعم” يظفر بها “الشهيد” إن هو غدر، وخدع، وفجّر، وقتل الأبرياء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “الغدر والخديعة في النار”.. هذا الفكر موجود في التراث، لو اطلعتَ عليه، لمُلِّئت منه رعبا، وهو الذي يوظفونه في الضحك على الذقون، وبه يضلّلون الشباب، والصبيان؛ لكن إذا تناولناه، وفضحناه فإنهم تثور ثائرتهم، إذ حلال عليهم، حرام علينا.. فإذا قتل أحد الإرهابيين رجلا مثلا، وأنّبه ضميره فيما بعد، قصد شيخه، وهو من الذين قال فيهم النبي الأكرم: صُورهم صور الإنسان، وقلوبهم قلوب الشياطين”، فسأله: “هل عليّ شيء من أمره؟”؛ فيجيبه الشيخ: “لا عليك، فلن يتناطح في شأنه عَنْزَان” أي الرجل المقتول غيلة.. هذا كلام فظيع أسوقه من بطون المجلدات والمراجع المعتمدة في إباحة الإرهاب والقتل.. فكل ما تراه أو تسمعه من مظاهر الإرهاب، إلا وله ما يبرره في كتب التراث، وإلا فمن أين جئتُ بهذا؟ ولأسباب وجيهة، امتنعتُ عن ذكر الكتب، والأجزاء، وأرقام الصفحات، وأسماء المؤلفين، ودور الطباعة؛ أي واللهَ! إن بؤس العقل العربي عامة، يكمن في أننا مزجنا التاريخ بالدين، وأسقطنا قدسية الدين على أناس غير معصومين، فصاروا يفتوننا ويتحكمون في عقولنا حتى وهم أموات في قبورهم؛ فصارت الأمة تسير إلى الأمام، وعنقها ملتوٍ إلى الخلف، يجذبها فكر دخل منذ زمان مقبرة التراث الإنساني؛ تراث أمم قد خلت، فيما نحن أمة يجب أن تعيش عصرها فكريا وعلميا واقتصاديا، إذا كانت تريد أن تحجز لنفسها مكانا في قطار الرقي والتقدم.. هذا لن يتأتى إلا بمراجعة ماضيها دون عقدة، وتنقية تراثها بطريقة علمية صارمة، وأن تنبذ هؤلاء المتمسحين بالدين، والمؤوّلين تأويلا تضليليا للأحاديث، وأكثرها موضوع، أو مقطوع، أو مصنوع، أو مكذوب، صاغه كَذَبة في العصور الغابرة في غفلة من المسلمين، فاستغله شياطين اليوم؛ أولئك الذين كسبوا ثقة الأبرياء العمياء.. يقول “باسكال” الفيلسوف المتدين: “لا يمكن أن تفعل الخير كما يجب، أو الشر كما ينبغي، إذ فُقِدت الثقة”.. وهؤلاء كسبوا ثقة الناس لفعل الشر، وهذه ثقة سلبية ومدمرة، تستوجب الشك العلمي المنهجي، وليس التسليم الأعمى؛ هذا هو الواقع.. ما نعانيه اليوم، من فكر ديني متطرف، عانت منه أوربا القرون الوسطى وتخلصت منه بواسطة فلاسفة ومفكرين قُتلوا، واضطُهدوا، وهم الشهداء الحقيقيون الذين تعلم منهم العالم الديموقراطية، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، فماذا علّمنا أصحاب المراجع التي نعتمدها اليوم، غير القتل، وتزويج الصبيات، ومضاجعة المرأة الميتة، وتشبيه المرأة بالكلب والحمار؟ قالت عائشة رضي الله عنها: “يا سبحان الله، شبهتمونا بالكلاب والحُمُر”. اُنظر (صحيح البخاري).. ثم أخيرا، ابتدعوا “جهاد المناكحة”، رغم أن الإسلام يحرص على صحة النسل، وعدم اختلاط الأنساب.. لقد أعادنا هؤلاء إلى نكاح الاستبضاع أو نكاح الرهط اللذين كانا في الجاهلية: “يا حسرة على العباد” صدق الله العظيم. في دولة إسلامية، تقول الأخبار الواردة منها، إنها على وشك الانتهاء من مشروع، بدأ منذ ثلاث سنوات، يستهدف تنقية التراث الإسلامي فيها من كل ما يحث على الإرهاب، ويسيء إلى شخص النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذه دولة ليست عربية، فيما مصر العربية، كان “الأزهر” قد قرر في سنة 2001 إنجاز مشروع مماثل، ثم تم التخلي عنه بدعوى أنه مكلف ماديا فيما محاربة الإرهاب في مصر اليوم، يكلفها مبالغ باهظة.. والواقع، أنه ما دامت هذه الخطوة الجريئة والناجعة لم تُتخذ لتنقية التراث من الفكر الإرهابي الهدام، ومحق العقائد الفاسدة التي علقت به، فإن هذا التراث سينتج أجيالا إرهابية مستقبلا، رغم النجاحات العرضية التي نهلل لها اليوم؛ وما نراه وما نسمعه من الملتحين، من وعد ووعيد لخير دليل…
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

