لسنا نحن من قال إن بنكيران يقتل الإبداع والابتكار، ولكن التأكيد جاء على لسان منظمة أممية صنفت المغرب في رتبة متأخرة جدا في مؤشر الابتكار خلال الستة أشهر الأولى من سنة 2012 والتي تولى فيها حزب العدالة والتنمية رئاسة الحكومة. فتقرير مؤشر الابتكار العالمي لعام 2012 الذي نشرته كلية إنسياد، لإدارة الأعمال الدولية الرائدة، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، أكد تدني مؤشر كفاءة الابتكار لدى حكومة بنكيران التي لم تقم بما يفيد اهتمامها بالإبداع الأدبي والفني وغياب أي مبادرة حقيقية في هذا المجال. والحقيقة أنه منذ مجيئ حكومة بنكيران وهي تحارب الإبداع، وتواجه كل المبادرات الفردية بدعوات غارقة في الخطاب الشعبوي، بل إننا لم نلاحظ أي تقدم في المجال الثقافي والفني إن لم يكن المغرب شهد كثيرا من التراجعات، وصلت حد الاصطفاف في زمرة المناهضين لكل ماهو إبداعي وفني، وما يؤكد هذا الطرح أن حضور الثقافة والرياضة وهما مجالين واسعين للإبداع، كان باهتا في البرنامج الحكومي، وبالكاد مر بنكيران على هذه القطاعات مرور الكرام، في إشارة قوية إلى أن آخر ما تفكر فيه حكومة العدالة والتنمية هو الإبداع الفكري والأدبي، وهو الأمر الذي لمسناه خلال مرور بنكيران بمجلس المستشارين، حين قال إن ثقافته الرياضية محدودة جدا، وبالكاد يسمع عن مشاكل هذه الرياضة وليس من رأى كمن سمع. لقد استأثر الخطاب الشعبوي المغلف بنوازع دينية على أداء وزراء العدالة والتنمية على وجه الخصوص، وخلال ستة أشهر لم نلاحظ أي تحرك في اتجاه دعم الثقافة المغربية، ومأسسة الإبداع الفكري، بل إن وزراء العدالة والتنمية شجعوا كل مظاهر إقصاء الثقافة المغربية، من خلال اتخاذ مواقف سلبية من مجموعة من المهرجانات التي تكرم الإبداع المغربي، بل ووصل الأمر حد منح الدعم المالي على هذه المهرجانات التي لا تشكل بالنسبة لحزب العدالة والتنمية أهمية في تدبير الشأن العام، مع أن مجال الإبداع هو جزء من الهوية المغربية، وحضارتها العريقة. وصراحة ومن خلال مجموعة من المعطيات تأكد أن وزراء العدالة والتنمية يتعاملون مع الإبداع المغربي من منطلق براغماتي محض، وهو ما ظهر أثناء النقاش الشعبي الذي أفرزته كنانيش الخلفي التي أراد من خلالها أدلجة التلفزيون المغربي والسيطرة عليه بتوجيه كامل من حركة التوحيد والإصلاح، وكذلك من خلال مجموعة من المبادرات التي لم يكن الهدف منها سوى إعادة النقاش إلى نقطة الصفر بشأن مجموعة من الأعمال المسرحية والسينمائية التي تم تقديمها في عدد من المهراجانات بدعوى أنها لا تتماشى مع القيم المغربية والأخلاق الدينية للمغاربة، مع أن الأمر في نهاية المطاف يتعلق بأعمال فنية يؤسس لها مغاربة حاربوا لسنوات من أجل الحفاظ على الهوية المغربية وثقافة الشعب. إن الخطاب الديني الذي تريد العدالة والتنمية الترويج له، من بين أهدافه الأساسية هو وضع مسافة فاصلة بين المبدعين المغاربة وباقي الشعب، وخلق نقاش هامشي الغرض منه هو خلق نوع من الغموض وزرع بدور الشك والتشكيك، وهو ما ظهر في كثير من المناسبات التي كان فيها الفن المغربي هدفا لسيوف بعض الأشخاص، لكن الغريب في الأمر أن هذه الخطابات غالبا ما تجد مباركة من طرف الحكومة وفي أضعف الإيمان يلوذ وزراء العدالة والتنمية بصمت مريب لا يمكن تفسيره إلا بشيء واحد، أن هؤلاء الوزراء يباركون كل المبادرات الرامية إلى قتل الإبداع والفكر وحنق الثقافة، وفي أفضل الأحوال جعلها في خدمة الفكر الدعوي الذي ينبني على ثقافة تحريضية.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

