هل يقول الكاتب: «كل شيء أصبح الآن جاهزا» حين يشرع في العمل، أم أن الكلمات لا تحتاج، فعلا، إلى أن يرضيها أحد، فتتدفق بإصرار على الورق غير عابئة بالخطاطات التي وضعها الكاتب سلفا؟ وبمعنى آخر، هل للكلمات حياة أخرى مستقلة عن المعنى الذي يجففه الكاتب عن عمد قبل أن يعرضه علينا وقد أصبح جاهزا للاستهلاك؟
صحيح أن الإلهام كلمة «سيئة»، كما يقول أمبرطو إيكو، حيث يحاول البعض أن يرجعه إلى الغريزة، إلى شيء غامض يدعي أنه يولد مع الكاتب، فيطبعه بمزاج خاص يتوقف عليه هو، ولا يتعداه إلى سواه. حيث تصبح الكتابة خاضعة للإغراءات الأولى للجوهر المختفي داخل الكلمات، وليس لتاريخ ممتد ومتفاعل من القراءة. لكن السؤال يضل هو: هل يمكن الاطمئنان إلى الكلمات؟
بقول الشاعرالراحل محمود درويش: «الإلهام هو اللحظة التي يجد فيها اللاوعي كلماته أو القدرة على التعبير عن نفسه. وقد تأتي هذه اللحظة أو لاتأتي، لكن علينا أن نسعى لانتظارها واصطيادها في الوقت المناسب. ما أقصده هو أنني أفهم هذه الجدلية وأنتظر الإلهام، بل أستحثه أحيانا على القدوم. إنني أذهب أحيانا إلى عملي الشعري، إن جاز التعبير، بدون شهية عالية، فأفاجأ بأن الإلهام قد جاء، وأحيانا أذهب بحماسة لانتظار الإلهام ولكنه لايأتي».
ومعنى ذلك، حسب درويش، أنه على الكاتب أن يدخل في علاقة مفتوحة مع الإلهام، بل في علاقة «خضوع» مطمئن، ليتمكن من اصطياد الكلمات، ومن التوحد بها، والدفع بهذه العلاقة إلى الأقصى الشعري.. إلى لحظة ميلاد القصيدة. فليس من شك أن هذا الطقس ينهض على معتقد ميتافيزيقي لا يختلف عن ما قرأناه حول «وادي عبقر» و»كلام الجن» و»الأرواح»، وكأن الكاتب كائن أعلى وقع اصطفاؤه من طرف الآلهة (أو الجن) ليتحدث بلسانها. فدرويش، مثلا، يقول باطمئنان «عليَّ أن أجلس الى مكتبي في الصباح وأحاول الكتابة، لكن بدون أن أرغم نفسي على الكتابة، ولا أعرف من قال بأن الإلهام موجود، لكنه قد يمر ونحن لسنا في انتظاره! بمعنى أن علينا أن ننتظر، أن نحاول قدح شرارة هذه العلاقة بين الإلهام والعمل. وربما علينا أن نتساءل عن معنى الإلهام، ما هو الإلهام؟».
فهل هذا تساؤل مؤمن بالإلهام، أم تساؤل مستغرق في الشعر بمنطق المختبرالشعري ونظريات العمل والإنتاج؟ وهل، فعلا، يمكن الدخول إلى الكتابة بمنطق الوعاء الذي يستقبل، بدل منطق المعول الذي يحفر، ومنطق المهندس الذي يضع الخطاطات، ومنطق البناء الذي يقيم الجدران والنوافذ والأبواب، ومنطق مهندس الديكور الذي يضع كل قطعة/ كلمة في مكانها المناسب؟
إن الكتابة مشقة تنصب أساسا على تجاوز هشاشة الوجود. كما تعكس تكسير المرايا التي تواجهها الذات، في رحلتها المضنية نحو المعنى المنفلت باستمرار. إنها شكل من أشكال ملء الفراغ، والبحث عن أمكنة أخرى للفهم، وليس بالإمكان الوصل إليها إلا بإدخال الكلمات في علاقات أخرى غير اعتيادية. وبهذا المعنى فالحدس ليس إلهاما، بل خبرة. هو ذلك العطاء الطبيعي الذي يتحقق عبر التراكم المعرفي، وهو تلك القدرة القصوى التي لا تميل سوى نحو الممتلئ والعارف والضاج بالكلام. ألم يقل سقراط: «تحدث حتى أراك».
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

