تفجرت فصول قضية مثيرة انطلاقًا من رحلة جوية قصيرة قام بها عبد اللطيف بلقايم، المسؤول في الرئاسة الجزائرية منذ سنة 2019. توجه بلقايم، يوم السبت، إلى جنيف على متن رحلة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية، وعاد في نفس اليوم بعد لقائه برجل الأعمال رافع تشوكا، المقيم في سويسرا، والذي ذُكر اسمه في ملف المدير السابق للأمن الوطني، فريد بن شيخ، الذي يواجه تهمًا بالخيانة العظمى، وسط صمتٍ رسمي من الحكومة الجزائرية.
رحلة مفاجئة إلى جنيف و”قنبلة” في حقيبة مبعوث الرئاسة
خرج الناشط سعيد بن سديرة، المعروف بعلاقاته مع كبار generals فترة التسعينيات، في بث مباشر عبر قناته يوم الثاني من نوفمبر ليقدم رواية تتضمن اعترافًا صريحًا بمؤامرات معقدة.
أكد بن سديرة أن بلقايم عمل بأمر مباشر من محمد تبون، نجل الرئيس، واصفاً إياه بـ”سعيد بوتفليقة الجديد”، الذي كلفه بوضع “قنبلة موقوتة” في مكان آمن خارج البلاد.
يتضمن هذا الملف، وفقًا للمصدر ذاته، محاضر أمنية واعترافات لعناصر شبكة تهريب تم تفكيكها من قِبل الاستخبارات العسكرية في مناطق بشار وتندوف وأدرار.
أقر المهربون الذين تم القبض عليهم بنشاطهم في تهريب المخدرات والبشر وتجارة الذهب غير المشروعة، مؤكدين أنهم يعملون بتنسيق مع قيادة الجيش، منذ الفترة التي كان فيها السعيد شنقريحة قائدًا للمنطقة العسكرية الثالثة.
اعتراف واضح بصفقة رعاية التهريب
سعى بن سديرة لتبرئة مسؤولين في الجيش عبر تقديم ذرائع غريبة، مدعيًا أن المؤسسة العسكرية أبرمت اتفاقًا سريًا مع بارونات التهريب خلال فترات مكافحة الإرهاب، مما يتيح لهم تمرير بضائعهم مقابل الحصول على معلومات استخباراتية حول الجماعات المسلحة.
وادعى أن هذا النوع من التنسيق هو عرف أمني دولي، غير أن المهربين استغلوا هذه الاتفاقيات للانتقال من نقل “المعجنات الغذائية” إلى تهريب الذهب والمخدرات، مشددًا على أن شنقريحة لم يكن على دراية بهذه التفاصيل.
هذا الحديث زاد من الشكوك بدل أن يبددها، إذ أقر بوجود تحالف مؤكد بين الجيش وشبكات التهريب في منطقة حدودية حساسة.
كما كشف بن سديرة أن القائد الأسبق للجيش أحمد قايد صالح ومدير الأمن الداخلي السابق واسيني بوعزة فتحا هذا التحقيق في عامي 2018 و2019، وكانا في طريقهم لتقديم شنقريحة للعدالة بتهم ثقيلة قبل أن تتغير الخريطة السياسية بفعل حراك الشعب.
تسريبات بونويرة تلاحق قائد الأركان
روايات بن سديرة تتفق مع التسريبات التي نشرها المعارض محمد العربي زيتوت في يناير 2022، نقلًا عن قرميط بونويرة، السكرتير الخاص السابق لقايد صالح. حيث اتهم بونويرة شنقريحة بأنه “بارون مخدرات وسلاح”، مؤكداً أنه كان يشرف على عمليات التهريب على الحدود الغربية خلال فترة قيادته للمنطقة بين 2004 و2018.
قابلت المؤسسة العسكرية هذه التسريبات بعقوبات صارمة، حيث قضت المحكمة العسكرية بالبليدة بالإعدام بحق بونويرة، والحكم المؤبد على زيتوت.
عاد الناشط المعارض في سبتمبر ليكشف عن سجن 33 ضابطًا على خلفية نفس الملف في عهد قايد صالح، لتأتي شهادة بن سديرة اليوم لتعزز الأدلة المادية التي حاولت الآلة القضائية طمسها، مع فارق أن القائد يدعي عدم معرفته بتفاصيل تشير إليها اعترافات المهربين أنفسهم.
سلاح الابتزاز وتصدير الأزمة نحو الجوار
يكشف توقيت انكشاف هذه المعلومات عن اشتداد صراع النفوذ بين أجنحة السلطة، حيث لجأ نجل الرئيس إلى إيداع الوثائق في سويسرا كورقة من أوراق الابتزاز لحماية مصالحه في مواجهة ضغوطات قيادة الأركان.
تأتي هذه الخطوة بعد حالة الارتباك التي خلفتها وفاة مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام، وامتداد التحقيقات في ملف فريد بن شيخ لتطال المحيط الرئاسي، مما دفع الموالين لشنقريحة لمحاولة تفكيك “القنبلة” قبل انفجارها.
تعكس هذه المناورات المتزامنة هشاشة الهيكل الحاكم الذي يعتمد أسلوب جمع الملفات الإدانة المتبادلة بدل منطق الدولة. طيلة سنوات، استمرت الآلة الدعائية للنظام الجزائري في اتهام المغرب بإغراق البلاد بالمخدرات لتغطية على إخفاقاتها، في حين تكشف المعلومات الميدانية تمركز شبكات التهريب تحت سمع وبصر جنرالات الجيش في مناطق بشار وتندوف، حيث لا يخوضون حربًا ضد المخدرات، بل يتصارعون لتوظيفها كوسيلة لتصفية الحسابات السياسية والبقاء في الكراسي.

