كيف يمكن قراءة واقعة التضامن الشعبي الكبير مع رئيسة
الأرجنتين
المنتهية ولايتها الثانية (ممنوع ترشحها إلى ولاية ثالثة بنص الدستور)، كريستينا إليزابيث فرنانديز، التي شكلت لحظة لوفاء شعبي عمومي، انهمرت فيها أدمع غزيرة، في الساحات العمومية، في ما يشبه الوداع بين عاشقين؟. هل هو مجرد لحظة تعبير سياسية، أم إنه أعمق من ذلك، هو لحظة تعبير سلوكية ثقافية لمعنى شكل العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، عبر الآلية الديمقراطية؟.
الحقيقة، إن الدرس الذي يقدمها لنا
الأرجنتينيون
هذه الأيام، كامن في معنى ما تعنيه «المثل» بالنسبة للإنسان، في يفاعة إنسانيته. وكيف أن بعض الأشخاص، حين يرتقون إلى مرتبة «المثل العمومية»، يصبحون «أشخاصا معانى»، فوق طبيعتهم البسيطة كبشر. لأنهم يصبحون عنوانا لمعنى للإطمئنان، مطلوب عند كل إنسان، إسمه : «الأمل». ورئيسة
الأرجنتين
، العائدة إلى سيرتها الأولى اليوم، مواطنة بين باقي المواطنين، بعد أن أنهت مهتمها العمومية التي فوضها لها الناخب
الأرجنتيني
، كانت عنوانا لمعنى هائل للأمل عند أبناء بلدها. ليس لأنها سيدة خرافية مفارقة، بل لأنها جسدت معنى للتصالح بين أمل الناس وفعل السياسة. ولعل هذه السيرة، تكاد تختص بها
الأرجنتين
ثقافيا وسلوكيا منذ السيدة بيرون، تلك السياسية، التي جعلها أهل بلدها ترتقي إلى مرتبة القديسين في القرن الماضي. والسؤال الكبير هنا، هو: لماذا تلك السيرة الأمريكو لاتينية؟.
الجواب، كامن، في ما أتصور في المعنى الذي تمارس به المرأة هناك، فعل السياسة. فهي تنجز ذلك، بتحدي الحرص على الأخلاق (في معناها العام كممارسة للحياة)، بذات الشكل الذي يكون للأمهات تحت سقف بيت العائلة. إن سيدات السياسة في
الأرجنتين
والبرازيل والشيلي، تتحولن إلى أيقونات لمعنى للأمومة العمومية، يصبح فيها تدبير الدولة، نسخة مشابهة لتدبير العائلة. هنا يكون التواطؤ غير المعلن، المحسوس نعم، لكن الكلمات تعجز عن وصفه، كبيرا بين الأبناء وربة البيت، بين المواطنين وقائدة البلد. هذا في ما أتصور، ملمح ثقافي أمريكو لاتيني، لا نظائر له في باقي جغرافيات الفعل السياسي النسائي عبر العالم.
هل لأن قصة المقاومة الطويلة طيلة القرن 19 والقرن 20، ضد العبودية أولا، ثم ظل استبداد الديكتاتوريات، قد كان للأمهات والكنيسة فيها الدور الحاسم. ما جعل صورة المرأة هناك، مختلفة كمعنى ثقافي، حولها إلى حاضنة للجرح الجماعي، عرفت وحدها، بتراكم التجربة، كيف ترتق أسباب النزيف المادي والروحي فيه؟. لقد نزلت المرأة هناك باكرا إلى ساحة الفعل السياسي، كراعية للقيم العمومية، كصوت يصرخ ضد كل قبح ضاج. فانتزعت دورها السياسي من قلب المعركة الإجتماعية والسياسية، ما منحها معنى كينونيا، حولها لتكون العنوان على التماهي بين ربة البيت والقائدة. وإذا لم نستوعب ربما هذه القصة التاريخية لخروج المرأة باكرا هناك إلى شارع الحياة، إلى سوق الرمزيات وصياغة المعاني العمومية، سلوكيا ومشاركة في الفعل العمومي للحياة، لا يمكن أن نستوعب ربما معنى قصة الود الروحي بين المواطن والمرأة السياسية هناك في
أمريكا
اللاتينية.
إن مشاهد شباب وشابات، رجال ونساء، في
الأرجنتين
وهم يذرفون الدموع في الساحات العمومية، لأن القانون (الذي يجب أن يحترمه الجميع) لا يسمح بإعادة ترشح رئيستهم لولاية ثالثة، إنما يقدم الدليل على معنى القيمة التي للسياسة في تلك الجغرافيات. وكيف أن الناس، في حاجة دوما، إلى «قادة مثل»، يتماهون معهم، حتى يكتمل فيهم معنى الإنتماء ومعنى المواطنة. بل إن تلك المشاهد العمومية، لذلك الدمع النازل من المآقي، عبر مدن
الأرجنتين
، الذي يرفع زعيمة الحزب البيروني، إلى مرتبة القديسة، إنما يترجم في مكان ما أيضا، تلك الثقافة السلوكية التي تشكلت بفضل نضال طويل للمرأة هناك، التي تقدس «الأمهات المضحيات». الصموتات نعم، لكن الصلبات جدا، الثابتات على الموقف وعلى يقين البناء والإنصاف. والرئيسة كريستينا التي امتلكت جرأة أن تقول لمنطق السوق وتغوله في السياسة وفي الإقتصاد إن عيونك قبيحة وخطابك منافق من على منصة هيئة
الأمم
المتحدة
، لم تكن سيدة خطابة جريئة فقط، بل كانت أيضا «ربة بيت كبير» أحسنت تدبير شؤون عائلتها الكبيرة التي اسمها
«الأرجنتين»
باقتدار رغم الأزمة العالمية لما بعد 2008. لهذا السبب خرج الجميع هناك ليعلنوا وفاءهم لها، بدمع أشبه بدمع العشاق.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

