الاستقلال يكشف زيف البوليساريو
شهدت مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، تجمّعاً حاشداً حضره أكثر من 60 ألف شخص للاستماع إلى قيادة حزب الاستقلال وبرنامجه الانتخابي. ويعيد هذا الحدث إلى الأذهان سؤال المشاركة السياسية في الصحراء المغربية، ويثير تساؤلات حول التمثيلية التي تدعيها البوليساريو كـ”الممثل الوحيد” للصحراويين.
الجموع الغفيرة التي خرجت في العيون لا تحتاج أحداً ليتحدث باسمها من تندوف أو الجزائر، فهؤلاء المواطنين يمارسون السياسة من خلال انخراطهم في الأحزاب المغربية، يستمعون ويحللون، وفي النهاية يختارون ممثليهم بحرية من خلال صناديق الاقتراع.
تكمن إحدى أهم دلالات هذا التجمع في قدرة حزب سياسي على تجمع عشرات الآلاف حول برنامج انتخابي في إطار تنافس سياسي مفتوح مع أحزاب أخرى. وهذا يعكس عكس خطاب “الممثل الوحيد”، مما يطرح تساؤلات حول التعددية السياسية لدى البوليساريو. كما أنّ حزب الاستقلال قدّم بوضوح الكرة في ملعب البوليساريو، مما أحرجها في موقفها.
هذا الوضع يزوّد المغرب بمادة سياسية تعزز روايته أمام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وفاعلي المنطقة. فالسكان في الصحراء لا يقفون خارج المؤسسات، بل يشاركون في الانتخابات ويديرون شؤونهم المحلية والجهوية، ويختارون ممثليهم في إطار التعددية الحزبية المغربية.
رسالة من العيون إلى مدريد
تجمع العيون يحمل دلالة خاصة بعد تصويت مجلس النواب الإسباني على مقترح منح الجنسية للصحراويين، وهو قرار يرى كثر أنه ذو بعد سياسي أكثر من كونه إنسانياً أو اعترافاً بحق تاريخي.
الجواب الذي تقدمه العيون ليس قانونياً بل سياسياً وتطبيقياً؛ حيث إن عشرات الآلاف من الصحراويين يقيمون في مدينتهم، يمارسون حقوقهم السياسية إلى جانب باقي المغاربة.
وبذلك، يكون المشهد في العيون أكثر دلالة من الجدل الدائر حول من يمثل الصحراويين، إذ الرسالة من التجمعات السياسية وصناديق الاقتراع هي أن الصحراويين قادرون على تمثيل أنفسهم.
حزب الاستقلال ينهي وزنَه في الميدان
على الصعيد الداخلي، يمثل تجمع العيون ردًا مباشرًا على من يقلل من وزن حزب الاستقلال وأهل ولد الرشيد في العيون. كما يبرز الفصل بين المنافسين السياسيين الذين يتحدثون عن جنوحهم في الأقاليم الجنوبية، دون توظيف لهذا الحضور في الميدان بشكل فعلي.
نزار بركة اختصر هذه الرسالة بقوله أمام الجموع: «العيون مع حزب الاستقلال وستظل مع حزب الاستقلال».
وبعيدًا عن العملية الانتخابية المباشرة، يُظهر الحزب أن وجوده في الصحراء ليس مؤقتًا، بل يرتبط بتاريخ سياسي ونضالي طويل، بالإضافة إلى شبكة محلية جعلت أهل الرشيد جزءًا بارزًا في المشهد السياسي في العيون.
وهذا يتضح من التحولات التي عرفتها المدينة، حيث تمتاز اليوم بمساحات خضراء ومرافق ترفيهية وملاعب، بالإضافة إلى الجامعات والتجهيزات الأساسية. بينما تراجعت مدن مغربية أخرى مثل المحمدية وفاس وتمارة وسلا وسيدي قاسم، مما جعل بعض السكان يقارنون الوضع الحالي بما كان أفضل في الماضي.
ومع ذلك، فإن العيون لا تزال تواجه تحديات، مثل مشكلة التشغيل التي أكد عليها نزار بركة نفسه. لكن المقارنة تظهر أن المدينة، تحت رئاسة حمدي ولد الرشيد، شهدت مسارًا تنمويًا واضحًا، مقارنة بمدن مغربية أخرى.
من الزخم إلى الحكم الذاتي
الدلالة الحقيقية لتجمع العيون تتعلق بما أكده نزار بركة عندما قال بوضوح: “الحكومة المقبلة هي حكومة تنزيل الحكم الذاتي في إطار الثوابت”.
هنا، ينتقل استخدام حزب الاستقلال من المعركة الانتخابية إلى سؤال المرحلة المقبلة. إذا كان الحكم الذاتي هو المشروع الذي يدافع عنه المغرب لحل النزاع، فإن تنفيذه يتطلب قوى سياسية لها وجود حقيقي في المنطقة، وبنية اجتماعية وتجربة في تدبير المؤسسات المحلية.
وبذلك، يقدم حزب الاستقلال نفسه كحزب مؤهل للمساهمة في تنزيل الحكم الذاتي والمساهمة في النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية بقيادة الملك محمد السادس.
لذا، فإن صورة أكثر من 60 ألف شخص تجمعوا في قلب العيون تتجاوز مجرد مهرجان انتخابي. إنها رسالة للمنافسين الداخليين بأن الحضور السياسي يُقاس بالميدان، ورسالة إلى مدريد أن الصحراويين يمارسون السياسة ويختارون ممثليهم، ورسالة واضحة إلى البوليساريو والجزائر: التمثيلية لا تُعلن من الخارج، بل تُختبر بين الناس وعلى الأرض عبر صناديق الاقتراع.

