لقد صارت موضوعة الجسد تستقطب اليوم اهتماما بالغا في الفكر الفلسفي والعلمي، ليس لأنها كانت موضوعة خارج التقليد الفلسفي والديني، وإنما بالنظر إليها من زوايا علمية متعددة، كالسوسيولوجيا، والأنثربولوجيا، والتحليل النفسي، والسيميولوجيا والأدب… ونحن هنا، لا نود الانخراط في تاريخ الجسد، ولكننا نرغب في الإشارة إلى أهم القضايا التي أثيرت حوله. ونعني ثلاث محطات رئيسة وهي: الفكر الفلسفي، والفكر الديني، وأخيرا الفكر العلمي. والوقوف عند هذه المحطات يشكل بالنسبة لنا خريطة طريق لملامسة واختراق الإشكالية البحثية التي اقترحنا النظر إليها. وهي محطات تشكل استئناسا أوليا لموضوعنا.
قد يكون تحويل الجسد المعروف إلى آخره المجهول. فعلاً درامياً يتم بمقتضاه بعث المجهول الغابر في عريه على الفضاء الفرجوي، لا ليكون مفعولا للضحك والمسخرة، وإنما لكشف الحجاب المتستر خلف النظام واللغة والقانون والعرف، فإلغاء الهوية الأولى بشكل مؤقت يحدث الحجب والتجلي ليكون الجسد المقنع سبيلا لهتك المحظور. لا تدهشنا الصور الفرجوية التي يسردها عبد الله حمودي بل إن دهشتنا مقترنة بسؤال الجسد المغربي. إنه جسد بدأنا نستكشفه بقليل من المكر ضدا على حراسه المحافظين. هؤلاء الذين يحجبونه بأحجبة متعددة، وهي كلها دالة على السلطات التي يحرسونها. بهذا المعنى يخترق الباحث الأنثربولوجي الجسد الكرنفالي عبر مساءلته علميا. لا ليقول التأويل الذي استخلصه لإبعاده من هامشية وضع فيها. أي حين يكون الاندهاش والمساءلة طريقين في الحفر عما وراءه من طبقات سفلية. إن الجسد الكرنفالي/ بلماون هو الذي يتكلم فينا من وراء الحجاب. ولأنه لم يخترق بعد ما يستره ويخفيه فقد ظل هامشا.
خاتمة:
إن وضع الجسد كسؤال أنثربولوجي يتيح لنا ضبط مكبوته الثقافي، فالوصف المكثف للواقعة الثقافية باعتبارها طقسا احتفاليا يعطينا إمكانية التأويل. وبين الوصف والتأويل مسافة لضبط العلائق الموجودة في هذا الطقس أو ذاك. إن الجسد الكرنفالي في طقس بلماون لا يقدم كما هو، أي في الأجواء التي يتمسرح داخلها. بل في الحواشي القريبة والبعيدة منه، وهي كلها تندفع نحو متابعة الجسد في الكواليس، قبل بداية الفرجة، والطعام، والجنس، والحركات البديئة واللباس، وعلاقة الأب بالابن، ورمزية الصدقة، والذبيحة… ورمزيات أخرى ليكون البحث تفكيكا لهذه الرمزيات، مثل عبور الحناء من المرأة إلى الذبيحة، ومن الأب إلى الابن في جدليتها مع الأسطورة الإبراهيمية.
لقد حاولنا النظر إلى الجسد الكرنفالي/بلماون كأنموذج أنثربولوجي، وإن كنا نعرف أن الإحاطة بهذا الموضوع يفرض بحثا مستقلا، أو على الأقل وقتا طويلا حتى نستطيع الإحاطة الدقيقة والشاملة به، إلا أننا وهذا ما قلناه ونعيد قوله نرغب في الحديث عنه برقيا وأهمية نزوعنا البرقي يفترض تسليط الضوء على المعتم فينا، على الهامشي الذي يسكننا من دون وعي منا تارة أو بوعي خاطف تارة أخرى. إن ما يهمنا في هذه المقاربة الأنثربولوجية هو موقع الجسد الشعبي بين المقدس والمدنس، وهي إشكالية ما انفكت تحضر في اليومي، وما فتيء حضورها يشكل معركةً للتأويل. إنها تضعنا في تماس حقيقي مع موضعة بحثنا، ما دام القدسي يلفنا ويرتق الفراغات التي نحياها.
وصفوة القول، إنّ الطقس الكرنفالي لبلماون بنية رمزية تستدعي تفكيك شفرتها. وثمة طقوس أخرى كالزواج، والختان، والمواسم، والأضرحة، والطعام، واللباس، والزراعة، والحصاد.. كلها تعبيرات رمزية ثقافية تستوجب البحث فيها علميا. فإذا افترضنا الطقس المصاحب للأكلة الكسكس مثلا باعتبارها خصيصة مغربية، فإنها تتوزع عبر ثلاثة أيام محددة، وهي الجمعة كيوم مقدس عند المسلمين، وليلة القدر، ويوم الجنازة. إن هذه الأيام لها قداستها دينيا وشعبيا، ولأنها كذلك فهي لا تمارس إلا في جماعة، فالصلاة في يوم الجمعة تكون جماعية مثل مراقبة سيدنا قدر، وموكب الجنازة هو إشارات يذوب فيه الفرد في الجماعة. الشيء الذي يكون فيه الأكل جماعيا وبطريقة دائرية، بل أكثر من ذلك فالقصعة التي يقدم بها الكسكس دائرية، مثلما تكون هرمية، وليست مسطحة. إذا نظرنا إلى شكل الكسكس والأشكال الرمزية الأخرى لتلك الأيام المقدسة عند المسلمين سنتحصل على وجوه الجماعة مرفوعة نحو السماء كالدعاء في صلاة الجمعة، وصعود الروح إلى السماء، والبحث عن سيدنا قدر في الفضاء العلوي.. يمكننا بيان القدسي في هذه العلاقة الرمزية بين أكل الكسكس ومواقيته الرئيسة.
ثمة أمثلة أخرى نحياها في اليومي، وتتلاشى في المؤقت المغربي. من خلال هذا نستجيب طواعية لمشروع عبد الله حمودي، ومشاريع أخرى خصوصا إذا اعتبرنا تهميش الهامش إلى حد إقباره أمرا ممكنا، ولأجل ذلك علينا الالتفات إلى الجسد اليومي وما يفرزه من علامات رمزية عبر وضعه سؤالا علميا وفلسفيا، والذي سيتم بمقتضاه جلاء المكبوت، وخلخلة السلطات التي تعيق ظهوره.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

