خرج معهد باستور قبل أيام من أجل القيام بما أسماه حملة تحسيسية و»التواصل» مع مختلف شرائح المواطنين، بهدف تشجيع المغاربة على الاستفادة من التلقيح ضد الأنفلونزا الموسمية، على اعتبار أن الفترة التي نعيشها والمتمثلة في فصل الخريف المتبوعة بفصل الشتاء ،تشكل مشتلا خصبا لانتشار هذا الداء؛ وليس الزكام/»لاكريب»؛ الذي لاتقف تداعياته عند الإصابة بالمرض، والانقطاع عن الدراسة أو العمل، بل يمكن أن يتطور الأمر إلى حدّ الوفاة، خاصة بالنسبة للنساء الحوامل والرضع، والأشخاص الذين يتجاوز سنهم 65 سنة، والمصابين بأمراض مزمنة كداء السكري، الربو، أمراض القلب والرئتين، الكبد وأمراض الدم وغيرها من العلل.
مسؤولو باستور، تذكروا «فجأة» أن هناك سياسة يمكن اتباعها تسمى «الانفتاح»، وسارعوا إلى توظيفها وترجمتها بشأن هذا الموضوع الذي لا يخلو من أهمية، على غرار مواضيع أخرى قرّروا في وقت سابق، ولايزالون أوفياء لنهجهم، أن يتعاملوا معها باعتماد أسلوب «الانغلاق»، وسوقوا أن هذا التواصل اليوم مردّه أن منظمة الصحة العالمية توصي بتلقيح قرابة 70 في المئة من الفئات المعرضة لمخاطر الإصابة بالأنفلونزا الموسمية وتداعياتها، والحال أننا في المغرب لم نتجاوز نسبة 1.2 من المغاربة الملقحين، أي أن العدد لايصل إلى 500 ألف مُلقّح على أحسن تقدير، لكون موضوع التلقيح أضحى يشكّل عقدة للبعض، ويتسبب لهم في حساسية عصيّة على البلع، خاصة مع التجربة الفاشلة/الفاسدة التي تخصّ اللقاح الذي تم الترويج على أنه حلّ منقذ من «وباء» أنفلونزا الخنازير، الذي شكّل عنوانا آخر من ضمن عناوين عديدة لأعطاب تدبير المنظومة الصحية؟
باستور المغرب عاد من جديد ولموسم آخر للترويج للقاح مختبره المدلل، معدّدا فوائده ومميزاته، لكن مسؤولي هذه المؤسسة التي لها أهميتها وحضورها في المشهد الصحي، لم يعلنوا عن نتائج حملات السنوات الفارطة، وعن المانع الذي يحول دون تهافت المغاربة على هذا اللقاح «السحري»، ولم يبرزوا تفاصيل ما يسمونه بحملة تحسيسية تواصلية، تنطلق كل سنة بندوة صحفية وقد تنتهي عندها، أو تتلوها بضع خطوات محدودة الأثر والمدى، لو تم القيام بها، كما لم يستطيعوا توضيح السرّ في عدم إقبال مهنيي الصحة أنفسهم على هذا اللقاح، وهم الذين من المفروض أن يكونوا قدوة يحتذى بها، هذا اللقاح الذي تجاوز حدود الصيدليات واستقر ببعض العيادات الطبية، التي يؤكد بعض الأطباء لزبنائهم أنه يتعين على أطفالهم الخضوع له، خاصة الذين يعانون من أحد أنواع الحساسيات التنفسية، بعيدا عن أي تحسيس/تواصل من باستور أو من المختبر صاحب اللقاح الذي لايتابع إلا أرقام المبيعات!
بالمقابل، فإن سياسة «الانفتاح» هذه وانتفاء معيقات «التواصل» تختفي ويحلّ محلّها أسلوب آخر وهو الانكماش، فمسؤولو باستور لم تكن لهم نفس العزيمة وانغلقوا شكلا ومضمونا، حين وجد المواطنون المغاربة من الذين يعانون من كل أشكال الهشاشة والإقصاء الاجتماعي، الذين كانوا يعتقدون بأن بطاقة «راميد» هي ورقة سحرية تتيح لهم العلاجات والاستفادة من الفحوصات بالمؤسسات الصحية، أنفسهم محرومين من إجراء التحاليل لديون المؤسسة على الحكومة، ولم يخرج مسؤول واحد مهما اختلف موقعه التراتبي، ليعلن أن هناك أزمة، رحمة بالمواطنين الذين ظلوا يتوافدون من كل مكان طمعا في تحليلة ما فكانوا يجدون الأبواب موصدة في وجوههم؟
تقوقع على الذات ميّز كذلك تصرف هذا المعهد حين نهج سياسة النعامة متخلّيا عن بقعة أرضية لفائدة مجلس مدينة الدارالبيضاء الذي «استردها» وسط موجة احتجاجات المهنيين، وهي البقعة التي تتواجد بمنطقة تيط مليل، والتي تعود ملكيتها لباستور منذ أكثر من 83 سنة، والتي كان من المفروض أن تحتضن مشروعا مبلورا لإنتاج الأمصال واللقاحات على المستوى الوطني، ومع ذلك لم تحرك إدارة المعهد ساكنا، وكأن مشاريع الصحة والبحث العلمي لاتعنيها في شيء، بينما التحرك الوحيد الذي قامت به، هو إزالة لافتات الاحتجاج النقابية من على أبواب المعهد، الرافضة لهذه الخطوة ونسب هذا الفعل إلى المصالح الأمنية والسلطات المحلية!
صمت باستور عن قضايا عديدة، وعن إشكالات يتخبط فيها داخليا على مستوى الموارد البشرية، والتجهيز، ونفاد التموين للمختبرات، وضعف الموارد المالية وتعذر تأديته لأجور الموظفين، وعن توقيفه لإنتاج الأمصال المضادة للسموم مقابل استمرار ارتفاع ضحايا لسعات العقارب والأفاعي، وغيرها من القضايا الخاصة والعامة، والحال أنه معهد المفروض فيه ألا يصمت، بل أن يكون مسهبا بالمعلومات، بالنظر إلى التفاعلات اليومية التي تهم الشأن الصحي للمغاربة، في خضم إشكاليات متعددة، لكنه صمت دهرا وكان ينطق لماما، كما هو الحال بالنسبة للحملة «التحسيسية»، للحديث عن جانب صحي مرتبط بموضوع له أهميته وراهنيته هو الأنفلونزا الموسمية، لكنه موضوع مغلّف أيضا بجانب تجاري لانريد أن يكون وحده الدافع للكلام؟
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

