شهدت الساحة الكبرى بمدينة بلاتينسيا الإسبانية تجمع العشرات من الأشخاص لدقيقة صمت، ترحما على روح الشاب المغربي عماد، بحضور أفراد أسرته وعدد من سكان المدينة، بالإضافة إلى أبناء الجالية المسلمة.
وسط أجواء من الحزن والتأثر، وقفت والدة الضحية، التي بدت في حالة من الانهيار الشديد، حاملة لافتة كتب عليها: “نريد العدالة لا الإفلات من العقاب”، بينما رفع المشاركون شعارات تعبر عن ألمهم، مثل: “حياة سلبت.. وأسرة تحطمت”.
وقد جاءت هذه الوقفة التأبينية، المنعقدة يوم الثلاثاء، بعد أربعة أيام من وفاة عماد، الذي كان يبلغ من العمر 22 سنة، داخل المستشفى، متأثرا بجراحه الناتجة عن اعتداء بواسطة سلاح أبيض.
تؤكد عائلة الضحية أن ابنها كان ضحية جريمة ذات دوافع عنصرية، مطالبة السلطات المحلية بالتحقيق في هذا الاحتمال، في حين لم تكشف الجهات الرسمية بعد عن الدافع الحقيقي وراء الجريمة.
إقرأ أيضا : «العدالة لعماد».. غضب وحزن بعد مقتل شاب مغربي طعنا بإسبانيا والقضاء يأمر بسجن المشتبه فيه الرئيسي
«عماد لم يكن مجرد شاب عادي»
وخلال هذه الوقفة، عبّرت مريم حيون، إحدى ساكنات بلاتينسيا، عن مشاعر الحزن التي خيمت على الحاضرين، قائلة: “نجتمع اليوم وقلوبنا يعتصرها الألم، ونستذكر عماد، الشاب الذي لم يتجاوز عمره 22 سنة، والذي سلبت حياته بشكل عنيف في مدينتنا”.
وأضافت أن عماد لم يكن “مجرد شاب آخر”، بل كان “ابنا، وأخا، وصديقا”، أحبّه كل من عرفه.
وأبرزت أنه كانت أمامه حياة مليئة بالأحلام والطموحات، قبل أن تُنهي الجريمة حياته بشكل مأساوي.
وتابعت حيون أن رحيله ترك “فراغا كبيرا” في نفوس أسرته وأصدقائه ومن أحبه، مضيفة: “إنها خسارة تؤلمنا بعمق، وما كان ينبغي أبدا، أبدا أن تحدث”.
«لستم وحدكم»
وجهت مريم حيون، خلال كلمتها، رسالة تضامن إلى عائلة الضحية، مؤكدة أن المجتمع المحلي يقف إلى جانبهم في هذه المحنة.
وقالت: “لا توجد كلمات تخفف من الألم العميق لفقدان ابن”، وتوجهت مباشرة إلى أفراد عائلة عماد، قائلة: “لستم وحدكم، نتقاسم معكم هذا الألم وسنظل إلى جانبكم”.
كما عبرت عن شكرها للأصدقاء والجيران والجمعيات والمؤسسات التي أبدت تضامنها مع الأسرة، مشددة على أن “اللفتات الإنسانية البسيطة لها قيمة عظيمة في مثل هذه اللحظات”.
ودعت المتحدثة إلى تعزيز قيم التعايش بين الناس، مهما اختلفت أصولهم ومعتقداتهم، دون التنازل عن ضرورة كشف حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات.
وأكدت أن “لا يمكن لأي اختلاف أو نقاش أن يبرر سلب حياة إنسان”، محذرة من استخدام هذه المأساة ذريعة لتأجيج الكراهية.
وأضافت: “لا ينبغي الحكم على أي جنسية أو ديانة أو جماعة انطلاقا من تصرفات فرد واحد”، مذكّرة أن مدينة بلاتينسيا هي “بيتنا المشترك”.
ومع ذلك، فإن هذه الدعوات إلى التعايش لا تلغي التساؤلات التي تطرحها عائلة الضحية بشأن ظروف مقتل ابنها، حيث يطالب أقاربه بتحقيق شامل حول إمكانية وجود دوافع عنصرية وراء الجريمة، وكشف كل التفاصيل المتعلقة بالحادثة.
ولا تزال القضية في يد القضاء الإسباني، حيث يوجد المشتبه فيه الرئيسي، البالغ من العمر 19 سنة، رهن الاعتقال الاحتياطي، للاشتباه في ارتكابه جريمة القتل.
الجالية المسلمة تطالب بعدم طي ملف القضية
بدوره، أكد محمد الطقطاق الأزرق، رئيس الجالية الإسلامية في بلاتينسيا ونائب رئيس اتحاد الجاليات الإسلامية في إقليم إكستريمادورا، في تصريح له، أن الأولوية بالنسبة للجالية منذ وفاة عماد كانت تكمن في دعم أسرته ومساندتها.
قال: “نحن متألمون لما حدث، فقدنا إبناً بطريقة لا يقبلها أي شخص”.
وأشار إلى أن تنظيم الوقفة جاء بهدف دعم أهالي الضحية وضمان عدم طي ملف القضية.
وأوضح أن أسرة عماد كانت تعتزم نقل جثمانه إلى المغرب في اليوم التالي، في انتظار استكمال الوثائق القنصلية اللازمة.
في هذا السياق، أكد الطقطاق الأزرق على أهمية تنظيم الوقفة قبل مغادرة الأسرة، قائلا: “لا نريد أن يُطوى ملف القضية بسرعة ونسعى لضمان استمرار الإجراءات”.
انتقادات لضعف التغطية الإعلامية الإسبانية للجريمة
سلطت الوقفة التضامنية الضوء على جانب آخر أثار استياء الكثيرين من الجالية المغربية والمسلمة، وهو ضعف الاهتمام الإعلامي بقضية مقتل عماد في وسائل الإعلام الإسبانية.
وفي هذا الصدد، أوضح محمد الطقطاق الأزرق أنه رغم تناول بعض الصحف المحلية للواقعة، فإن مقتل الشاب المغربي لم يحظَ بصداه في وسائل الإعلام الوطنية الإسبانية، كما لم تصل أصداؤه إلى المستوى الدولي.
وصف المتحدث هذا التفاوت في الاهتمام بأنه يعكس ازدواجية في التعامل الإعلامي مع مثل هذه القضايا، قائلا: “نحن نعلم أنه لو كان الأمر معكوسا، لكان له تأثير أكبر بكثير”.
على الرغم من هذه الانتقادات، أكد رئيس الجالية الإسلامية ببلاتينسيا على ضرورة الحفاظ على سلمية التفاعل مع القضية والتركيز على المطالبة بالعدالة.
وقال: “نريد أن تصل هذه القضية إلى أكبر عدد ممكن من الناس، حتى تتحقق العدالة ويطبق القانون بصرامة”.
أضاف أن الجالية حرصت، منذ وقوع الجريمة، على مرافقة أسرة الضحية وتهدئة الأوضاع، لتفادي أن تتحول هذه المأساة إلى مصدر لتوترات جديدة.
عماد يعود إلى المغرب ليوارى الثرى بالفقيه بنصالح
مع انتهاء الوقفة التأبينية، ظلّت الشعارات والكلمات التي أُطلقت في الساحة الكبرى في بلاتينسيا تعبر عن مطلب واحد: تحقيق العدالة لعماد وكشف الحقيقة الكاملة وراء مقتله.
من المنتظر أن يُدفن الشاب المغربي في مسقط رأسه بالفقيه بنصالح، حيث ستتجمع أسرته لتودعه إلى مثواه الأخير.
تغادر عائلة عماد إسبانيا وهي تحمل آلام فقدان ابنها، بالإضافة إلى مطلب عاجل لم تتلق بشأنه بعد إجابة حاسمة، يتمثل في البحث الشامل عن ملابسات مقتله والتحقيق في الدوافع المحتملة للجريمة.

