في المغرب، الذي جعل القضايا البيئية إحدى أولوياته خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى المؤسساتي أو من خلال المبادرات المدنية، تبقى مجموعة من الإشكالات البيئية مطروحة بإلحاح. في مقدمتها ظاهرة حرائق الغابات والحقول الزراعية والواحات، والتي تتكرر مع حلول فصل الصيف، لتتحول إلى مشهد شبه موسمي يهدد الثروة الغابوية والأمن الغذائي والتوازنات البيئية.
يرى الناشط والإعلامي البيئي محمد التفراوتي أن الحرائق المتكررة التي تشهدها مناطق متعددة بالمملكة تعكس تحولات عميقة في البنية البيئية والمناخية للمغرب، أكثر من كونها مجرد أحداث ظرفية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة أو موجات الجفاف.
يوضح التفراوتي أن هذه الحرائق نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المتداخلة، منها الضغط المناخي المتزايد، وتراجع التوازنات الإيكولوجية، وانفتاح مظاهر الهشاشة في تدبير المجالات القروية والغابوية. يشير إلى أن ضعف قدرة المنظومات الطبيعية على التجدد يزيد من احتمال اشتعالها وانهيارها عند اندلاع النيران.
كما أكد أن المشكلة ليست مرتبطة فقط بالعوامل الطبيعية، بل أيضًا بطريقة تدبير هذا الواقع البيئي الجديد. حيث إن ضعف إجراءات الوقاية، وتفكيك التدخلات، وغياب منظومة يقظة استباقية فعالة، تجعل من الحرائق خطرًا متكررًا وسريع الانتشار. المقاربة المعتمدة غالبًا ما تركز على التدخل بعد اندلاع الحرائق وإخمادها، في حين أن المطلوب هو بناء منظومة وقائية متكاملة تحد من فرص اندلاعها منذ البداية وتقلص من آثارها المحتملة.
تتجاوز تداعيات هذه الحرائق الخسائر البيئية، لينعكس أثرها السلبي على المجال الفلاحي والاجتماعي. حيث أصبحت احتراق المحاصيل الزراعية والمساحات الفلاحية تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، خاصة عندما تتحول مواسم الحصاد إلى فترات محفوفة بالمخاطر بدل أن تكون مواسم للإنتاج والاستقرار الاقتصادي.
تتعرض الغابات، التي تؤدي أدوارًا حيوية في التوازن المناخي وحماية التنوع البيولوجي، لضغوط متزايدة تسهم في هشاشتها، مما يقلل من قدرتها على أداء وظائفها الطبيعية. هذا الأمر ينطبق أيضًا على الواحات المغربية، التي تعتبر من أكثر الأنظمة البيئية حساسية، إذ تعتمد على توازن دقيق بين الماء والتربة والنبات والإنسان. بات هذا التوازن مهددًا بفعل الإجهاد المائي والتغيرات المناخية.
شدد التفراوتي على أنه لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة اعتمادًا فقط على الحلول التقنية والتجهيزات الميدانية، بل يستدعي الأمر تبني رؤية شمولية تعتبر حماية الغابات والواحات والمجالات الفلاحية جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن البيئي والغذائي والاستراتيجي للمملكة.
في نهاية الحديث، أكد التفراوتي على أهمية تعزيز الوعي البيئي، مؤكداً أن حماية البيئة لا تتحقق بالقوانين والمعدات فقط، بل أيضًا من خلال ترسيخ ثقافة مجتمعية تجعل من المحافظة على الطبيعة سلوكًا يوميًا مسؤولية جماعية. يجب الانتقال من منطق التدبير التفاعلي إلى التدبير الاستباقي، من خلال إدماج الوقاية من الحرائق ضمن التخطيط الترابي والسياسات الفلاحية والغابوية.
ختم الناشط البيئي تصريحه بالتشديد على أن خطر تحول الحرائق إلى عنصر مألوف في المشهد الصيفي السنوي يُعد من أخطر التحديات البيئية. فكل حريق يجب أن يُعتبر مؤشراً على اختلالات أعمق تحتاج إلى معالجة شاملة، وليس حادثًا عابرًا. كما دعا إلى استغلال اليوم العالمي للبيئة كتظاهرة لتجديد النقاش حول ضرورة تعزيز ثقافة الوقاية وتطوير آليات التدخل الاستباقي، مما يضمن حماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

