أجل، إذا كانت هيأة الإنصاف والمصالحة قد قدمت جردا بالانتهاكات الجسيمة التي عرفها المغرب منذ الاستقلال إلى 1999، فإن ذلك الجرد قد أظهر كيف أن القضاء وظف، بدون كبير صعوبة، من طرف الأجهزة التنفيذية في تنفيذ مخططات قمعية لكبت الحريات، والتغطية على جرائم، والتنكيل بالمعارضين، والمنازعة عمليا في حق المعارضة، وتعطيل الممارسة الديمقراطية، ومصادرة حق الضحايا في الانتصاف، وحق المجتمع في مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. وفي بعض اللحظات المعتمة أكثر من غيرها، انزلقت الممارسات هذه عن حدها، إذا افترضنا جدلا أن لمنطق اللاقانون حدًّا ما، لتنقلب إلى عبث فعلي، يُوَلِّد أحكاما تصقع حتى السرياليين الأكثر تعلقا بالمذهب الفني والأدبي الذي صاغ غيوم أبولينير تسميته في مقدمة مسرحيته «أثداء ترسياس».
أجل، وشمس حقبة الثمانينيات توشك على الأفول، مثل تلميذ بإحدى إعداديات
الجديدة
أمام محكمة عاصمة دكالة. كان صك الاتهام جليا إلى حد إثارة الغثيان: لقد ارتكب اليافع جريمة الحلم، فيما يحلم النائم، بأن الملك الحسن الثاني توفي!
اعتقد التلميذ، الوافد من إحدى القرى الدكالية، حلمه يسيرا، لا يمس أمن الدولة ولا يزعزع تشبث المغاربة بأهداب العرش، فحكاه في موضوع إنشائي طلبه أستاذ اللغة الإنجليزية من تلامذته بمناسبة نهاية السنة الميلادية. هذا الأخير انتبه “لجسامة” الفِعل، فهرول عند المدير، حاملا حلم تلميذه تحت إبطه، ليسلمه هذا الآخر- بواب الجحيم للبوليس بعد إحاطة حراس شعار البلاد الحريصين، حد الباثولوجية، على شعار المملكة السعيدة الثلاثي.
بعد مسلسل من “سين جيم” لا يخلو، بكل تأكيد، من إثبات رجال الأمن العلنيين والسريين لمهاراتهم المكتسَبة في إطار مكافحة “المتآمرين” على النظام، ولو على سرير النوم والحلم، حوكم الطفل الدكالي بكل “عدل”، في “محاكمة عادلة” حفظت حقوقه وحقوق دفاعه!
أجل، لقد كان الحكم جاهزا بكل تأكيد: سنتان سجنا وألف درهم غرامة، لأن “الله أمركم بطاعة أولي الأمر منكم”، حسب إحدى حيثيات منطوق الحكم بتهمة الإفصاح عن الحلم!
فعلا، عظمة المغرب تفرض، عن جدارة، المقارنة مع عظمة الإمبراطورية الرومانية السعيدة هي الأخرى، حيث كانت بعض الأحلام تقود أصحابها أمام المحاكم، وحيث أصدر الإمبراطور أوغسطس قرارا يفرض عبره، على كل من اقترف حلما ذا علاقة بالشأن العام، إخبار المواطنين علانية بفحوى حلمه!
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

