عندما تطأ قدماك أرض الداخلة في أقصى الجنوب المغربي، في نقطة تلاقي بين موريتانيا والعيون، فإن أول ما يجذب انتباهك هو مشهد ممارسي «الكايت سورف» وهم يستغلون رياح المحيط فوق مياه الخليج. لكن مع توغلك في المدينة، ستكتشف ديناميكية حيوية تغمر هذه الجهة الواسعة؛ مدينة حديثة وإقليما يجسد روح «غرب أمريكي جديد» في أقاصي العالمين العربي والإفريقي، ليبهر كل زائر أجنبي بإيقاع نمو استثنائي.
يرتبط تاريخ الداخلة ارتباطاً وثيقاً بملف «الصحراء الغربية»، الذي شهد تقسيمه بين المغرب وموريتانيا بعد استقلال إسبانيا عن مستعمرتها السابقة سنة 1975 بموجب اتفاقيات مدريد. ومع مرور الوقت، نشأت جبهة «البوليساريو» بدعم من الجزائر، زاعمة تمثيلها للشعب الصحراوي، مما أدى إلى توتر العلاقات بين المغرب والجزائر، وصولاً إلى قطيعة دبلوماسية شبه تامة.
مستندين إلى القاعدة المعروفة بأن «الحيازة سند الملكية»، تعهد المغرب بتطوير أراضيه الأصيلة وتحويلها إلى نموذج اقتصادي رائد. هكذا، تحولت المدينة من بلدة صغيرة تابعة لإقليم «ريو دي أورو» إلى حاضرة أنيقة تحمل اسم الداخلة ويبلغ عدد سكانها اليوم حوالي 120 ألف نسمة. إن رؤية المملكة، كما أوضح رئيس الجهة، تعكس رغبة قوية في تحويل الداخلة إلى مدينة عصرية، حيث تتعزز الأنشطة حول مجالات متكاملة، في مقدمتها السياحة والفلاحة والصيد البحري والخدمات اللوجستية.
في هذا السياق، يمثل ميناء «الداخلة الأطلسي» شمال المدينة مشروعاً ضخماً من المقرر أن يدخل حيز التشغيل بحلول عام 2028، بهدف تعزيز التبادل التجاري بين الموانئ الإفريقية جنوباً مثل دكار وأبيدجان، وموانئ الشمال المغربي كالدار البيضاء وطنجة. ستتيح هذه المنشأة البحرية الضخمة استيعاب نحو 80% من إنتاج الصيد البحري في المنطقة في المستقبل القريب.
«تشبه الداخلة اليوم غرباً أمريكياً جديداً عند تخوم العالمين العربي والإفريقي، حيث تبهر المدينة والمنطقة بأسرها الزائر الأجنبي بحيويتها المتدفقة»
— كزافيي دريانكور
يُعد الصيد البحري عموداً فقرياً في النسيج الاقتصادي المحلي، حيث كان لسنوات طويلة محرك النشاط في الداخلة، ويتوقع أن يبقى هذا الدور مركزياً في مستقبل التنمية الجهوية جنبا إلى جنب مع مشروع ميناء «الداخلة الأطلسي».
بالتوازي مع ذلك، يتقدم القطاع السياحي كواحد من أقوى ركائز التنمية في الجنوب المغربي، حيث منح الموقع الفريد للداخلة مع رياحها الممتازة لها سمعة عالمية كوجهة للرياضات البحرية، لا سيما «الكايت سورف». كما أن هناك خطوط جوية مباشرة تربط الداخلة مع إسبانيا وباريس، مما يجعل السائح الأوروبي على بعد خمس ساعات فقط من قارة أوروبا.
هنا، يقف العائد إلى المغرب بعد سنوات من الغياب مشدوهاً بالتغيرات المدهشة التي تشهدها البلاد، في وقت تسعى فيه المملكة لتصبح قوة اقتصادية صاعدة، وهو دفع يستدعي من الدول المجاورة، وكذلك من فرنسا وباقي أوروبا، متابعة دقيقة لمواكبة هذه النهضة واستغلالها.
كان المغرب يأمل، معتمدًا على الدعم الأمريكي والحياد الروسي، في إنهاء مسار ملف «الصحراء الغربية» الذي يجرى الحديث عنه سنوياً في الأمم المتحدة. وكم كان علي أن أفسر للمسؤولين الجزائريين طبيعة الدبلوماسية الفرنسية وأهدافها. كما حضرت العديد من اللقاءات التي ضمت الأطراف المختلفة إلى جانب المبعوثين الخاصين للأمين العام للأمم المتحدة حول هذا الملف.
ترافق الأمل بنجاح المباحثات التي جرت في مدريد وواشنطن بين المغرب والجزائر وجبهة «البوليساريو»، مما أعطى انطباعاً بأن هذا النزاع الذي استمر لعقود ربما يقترب من نهايته. ولكن، تعقدت الأمور بسبب العناد الجزائري والتحولات في الساحة الدولية، مما دفع روسيا لاستخدام حق الفيتو.
ومع ذلك، فإن هذه التحديات لن تمنع المملكة من الاستمرار في تطوير مناطقها الجنوبية، كما أن الملف لا يزال مفتوحاً للمتابعة.

