ماذا لو استعرضنا مسار الحياة السياسية لشخص تحمل بطاقة تعريفه الوطنية اسما شخصيا هو بريس، ولقبا عائليا هو لالوند.
بكل تأكيد، سيحتج البعض على اختيارنا لهذا الشخص محورا لحديثنا، وهو، كما يدل على ذلك اسمه ليس مغربيا ولا يحمل بطاقة تعريف خضراء وملوَّنة! وبكل تأكيد، سيتساءل آخرون: هل نضبت الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية الداخلية إلى حد عجز معه صاحب هذه السطور عن العثور على موضوع يتناوله، فلجأ مضطرا إلى شخصية فرنسية؟ أم يا تراه عُقمُ الخيال و»العَوَر» المؤدي إلى عدم الانتباه لهوامش الوقت المغربي المتعددة التجليات والتمظهرات والانتخابية بامتياز حاليا؟
قول الأولين والأخرين جميعا في الصميم، لكن فيه بعض التسرع!
حين طفت على السطح، في بلاد المدعو ديكارت، ظاهرة حُماة البيئة (الخُضر) كتيار فكري، ثم سياسي، كان ينبذ في بداياته مفاهيم اليمين واليسار وثنائية قوى الجمود وقوى الحركة، حينها انخرط بريس لالوند في التيار، بل وتحول إلى إحدى أهم «أيقوناته» الإعلامية.
وفي عام 1988، أعلن صاحبنا مساندته للحساسية السياسية التي كان يجسدها حينذاك فرانسوا ميتران، الرئيس الفرنسي الراحل، الداعي إلى وحدة «شعب اليسار».
بعد تأسيسه، سنة 1990، لحركة انتقى لها يافطة «جيل البيئة»، اكتشف لالوند شخصا يُدعى إدوار بالادور، فصار من أشهر مريديه ومن أشد المدافعين عنه… ولم يهتم صاحبنا بكون صاحبه يحمل أفكارا يمينية. آنذاك، كان بالادور وزيرا أول لحكومة التعايش بين رئيس اشتراكي وجهاز تنفيذي يميني، وكانت استطلاعات الرأي تقدمه كخلف لميتران..
وفي عام السعد الذي يحمل في سجلات التاريخ رقم 1995، اكتشف «الأخضر اليساري» السابق الفكر الثاقب والمبادئ السامية والمواقف الصائبة لجاك شيراك… لكن هذا الأخير، وهو يحكم
فرنسا
من مكتبه في قصر الإليزيه، لم يعرف دفع المقابل (الوظيفي) لمسانده، فحمل الرجل خيبته ليرتمي في أحضان نيكولا ساركوزي..
قد تكون مبررات السيد لالوند لقفزاته وشطحاته هذه هي «البراغماتية» و «ضرورة» التأقلم مع المتغيرات.. ومشروعية «تطابق الطموحات الذاتية مع المشاريع المجتمعية العامة»، لكن المغاربة ينعتون مثل هذه الحالة المرضية ب «اقْليبْ الفيسْتَة»!
كم من الأشخاص «قَلَبُوا الفيسْتة» منذ الاستقلال إلى الآن، في العهد السابق وفي العهد الجديد كذلك في هذا البلد الأمين والسعيد الذي يبدو كأن لا ذاكرة له؟ وكم من ساسة مغرب اليوم انعطفوا ب 180 درجة؟ كم منهم انتقلوا بقدرة قادر من ضفة إلى أخرى ومن «الخطاب إلى ضده» بواقعية «مجردة» و «منزهة» عن الركض خلف مصلحة الأنا؟ وكم منهم يمتلك خلايا «وراثية أو مكتسبة» مماثلة لخلايا بريس لالوند رغم «مغربتها»؟
كنا نعتقد أن السلطة (كنسق وكرمز) مجرد «كلبة».. لكن الوقت يكشف أنها تمتلك جاذبية مغناطيسية يعجز البعض عن مقاومتها، جاذبية مغناطيسية زادُها… «حلاوة العيش»!
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

