لم يتعرض مسؤول أجنبي، وتحديدا شخصية أمريكية بمناسبة زيارتها للجزائر للسيل الجارف من الانتقادات الطائشة والاتهامات الحارقة، مثلما تعرض وزير خارجية
الولايات
المتحدة
الأمريكية
، جون كيري. فقد تمّ إلباس الرجل كل المصائب التي يمكن أن تصيب
الجزائر
على اعتبار أن توقيت زيارته للبلاد غير مناسب، بل هو مقصود للتأثير على مجريات ونتائج الاقتراع، ممّا جعل النظام يدفع أبواقه وأزلامه ليرددوا كلاما واحدا مفاده أن زيارة المسؤول الأمريكي تعتبر تدخّلا في الشؤون الداخلية للجزائر. وينسى هذا النظام، الذي يدين بأشد العبارات التدخل الأجنبي في شؤونه، أن شغله الشاغل هو حشر أنفه وفمه ورأسه في شؤون غيره. وحين يثبت تورطه، يتوارى وراء الدفاع عن المبادئ التي يحلّل منها ما شاء ويحرّم ما شاء . كيري في نظر النظام
الجزائري
جاء لإثارة القلاقل في “بلد مستقر وآمن”، وكأن كيري لا يعرف حقيقة ما يجري فيها. فما الذي منع
الجزائر
، مثلا، من التحفّظ على هذه الزيارة بالوسائل الدبلوماسية، وطلب إرجاءها إلى وقت لاحق، ما بعد الانتخابات الرئاسية؟
الجزائر
لا تستطيع أن تقدم على مبادرة من هذا القبيل، خاصة أنها تعلم أن كيري سينتقل إلى المغرب مباشرة من أجل التحاور مع المسؤولين المغاربة حول تعزيز الروابط التاريخية بين
الرباط
وواشنطن
، وتقعيد الحوار الاستراتيجي المغربي الأمريكي على أسس متينة، علما أن الإدارة
الأمريكية
تعرف أنها تتعامل مع بلد مستقر وآمن ويسعى لنشر الاستقرار والأمان في محيطه وقارته، كما تعلم
واشنطن
أن المغرب شريك محترم يحظى بالمصداقية والثقة لديها، إضافة إلى الاعتماد على دوره الريادي في المنطقة المغاربية والإفريقية
جنوب
الصحراء والشمال إفريقية والمتوسطية. وهي أدوار تأكدت من خلال ما قام به المغرب من أجل تثبيت أسس السلام في عدة دول إفريقية، وإعادة الاستقرار لبعضها على أساس احترام وحدتها الترابية، إلى جانب وجاهة وجدوى نظرته للعلاقات الثنائية مع محيطه الإفريقي التي تقوم على فكرة “رابح رابح” التي تعطي الأولوية للتعاون
جنوب
جنوب، هذا إلى جانب مشاريع المملكة ذات الطابع التنموي بالمنطقة، ممّا يجعل من المغرب بوابة وخط مرور ضروري للاستثمارات
الأمريكية
في القارة الإفريقية عموما. كيري يزور
الرباط
باعتبار المغرب حليفا موثوقا به منذ زمان، مما يجعل العلاقات المغربية
الأمريكية
لا تخضع للتقلبات الظرفية أو الاهتزازات الآنية، بل تقوم على أساس قيم ومبادئ مشتركة، تغذّيها الثقة الكاملة والحوار المستمر بين البلدين منذ أكثر من قرنين. هذا الوضع وغيره هو الذي جعل
واشنطن
تعتبره العضو الرئيسي من خارج الحلف الأطلسي. ولعل التعاون الجدّي والموسّع فى مختلف القطاعات وعلى كثير من المستويات هو الدليل على أن العلاقات
الأمريكية
المغربية علاقة خاصة، جذورها تاريخية وفروعها تتطلع إلى المستقبل. هنا يكمن الفرق بين زيارة كيري للجزائر وزيارته للمغرب. ولا مقارنة مع وجود الفارق.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

