حين حل الجنيرال ليوطي بين ظهرانينا كان أول ما قام به هو تقسيم المغرب إلى مغربين، واحد نافع يمكن
لفرنسا
أن تستغله لتستمر عجلة اقتصادها في الدوران ومغرب غير نافع، يصلح لكل شيء إلا أن يكون موضع اهتمام من قبل السلطات الاستعمارية، مرت السنوات والعقود، وطورت
فرنسا
مغربها النافع، فيما ظل المغرب الآخر واقفا في انتظار رحيل
فرنسا
، كان هناك دائما أمل أن تتغير الأمور إلى الأحسن، لذلك كان كثير من أبناء هذا المغرب البسيط منخرطون في خلايا المقاومة، أولا، من أجل استقلال المغرب، وثانيا، من أجل تحرير مناطقهم التي ظلت غارقة في الظلام بالكاد تأكل وتشرب للبقاء على قيد الحياة. مرت السنوات وغادرت
فرنسا
وحملت معها خيرها وشرها، وظل مع ذلك المغرب مقسما إلى قسمين، مغرب يتطور وفق الإمكانيات المتاحة، ويركز الاهتمام عليه ليكون منخرطا في الألفية الثالثة التي نعيشها اليوم، ومغرب واقف في مكانه، لم يخرج من سنوات العشرينات من القرن الماضي، تغيب فيه الطرق والكهرباء وكل مظاهر
المدينة
، تلد فيه النساء بمساعدة حبل مثبت في السقف، وبمساعدة نسوة تكورت ظهورهن بفعل كميات الحطب التي يحملنها على ظهورهن كل يوم. في مرحلة من المراحل استفاق المسؤولون وعلموا إما عن طريق الصدفة، أو من خلال التقارير التي لا يقرؤون إلا ديباجتها أن هناك سكانا في مناطق نائية وبعيدة من المغرب يعيشون على أمل رحيل المستعمر، سكان توقفت علاقتهم في المغرب عند سنوات الاستقلال الأولى، وظلوا بعيدين تماما عن أي شكل من أشكال التمدن، يكابدون من أجل طريق أو مسلك، وأقصى أمنياتهم مستشفى يضم ممرضا وممرضة وطبيب لابأس أن يغادر الدوار بعد الكشف عن مرضاه وما أكثرهم. هذا المغرب العميق الذي لا يعرف عنه وزراء العدالة والتنمية إلا ذلك النزر اليسير الذي يرشح من أخبار الصحف وتلك النشرات الجهوية
البليدة
التي لم تستطع رغم كل هذه السنوات أن تقدم لنا صورة ولو تقريبية عن ذلك المغرب الآخر ليتكلف السياح الأجانب وعدد من الصحافيين القادمين من الضفة الأخرى، أن يصفوا حقيقة ما شاهدوه في أماكن لا نعرف عنها شيئا، بل نجهل حتى إن كانت تنتمي إلى المغرب الذي قالوا لنا كذبا إنه تجاوز طريق النمو ودخل مرحلة التطور بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فكانت التلفزة تصور لنا كل هذا النمو في صور جامدة نشاهد من خلالها السدود الكبيرة والطرق السيارة والحقول الغناء، لكننا أبدا لا نرى تلك المشاهد البئيسة التي تقدم لنا الصورة الحقيقية للمغرب حيث السكان محاصرون عند أولى التساقطات الثلجية، والأمطار تغرق الوديان وتحول تلك المناطق إلى مناطق منكوبة. في ذلك المغرب غير النافع يتعرض المواطنون المغاربة الذين يتوفرون على البطاقة الوطنية للجوع بسبب غياب المسالك والطرق التي تجعل هؤلاء السكان يتواصلون مع العالم الخارجي، والأنكى أن بعض هذه المناطق لا تبعد كثيرا عن كثير من المدن الكبرى، لكنها في نظر المسؤولين لا تستحق أن تزورها لجان العمالات والمقاطعات، وتصبح مجرد رقم يتم الاعتماد عليه في الإحصاء العام، ليقدموا لنا في نهاية المطاف أرقاما غير حقيقية ومغلوطة عن مغرب يعيش ثلث سكانه في أماكن معزولة، كل ما فعلته الدولة من أجلهم أنها وفرت لهم الكهرباء لمتابعة المسلسلات التركية والمكسيكية، ما دام هذا هو الحل الوحيد لكي يقول هؤلاء السكان إنهم يعيشون الحضارة لكن من وجهة نظر لميس وعاصي ومهند والبقية تأتي.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

