لا نعرف من أين اكتسب محمد الوفا، وزير التربية الوطنية، الجرأة لحل مشاكل قطاع تراكمت منذ ثلث قرن، ويتحمل فيها حزب الاستقلال المسؤولية الكبيرة، ولا يعفيه التاريخ من تلك المسؤولية من اليوم الذي تولى فيه المرحوم عز الدين العراقي باسم الحزب الوزارة المذكورة قبل أن يطلق الحزب لتولي الوزارة الأولى سنة 1987، ولا يمكن للحزب أن ينفي مسؤوليته عن تدهور التعليم نتيجة السياسات الخاطئة والارتجالية، السياسات التي لم تنبن على أسس متينة فخرجت جيلا مضطربا من حيث التكوين. اليوم، يعود الوفا من 15 سنة من الديبلوماسية ليتولى وزارة التربية الوطنية، لكن بطريقة من يريد حل المشاكل في خمسة أيام أو يتعلم “لحجَامة فرْيوس اليْتامى”، فخرج الوزير مبتسما بعد أن امتلك الحل السحري لمشاكل التعليم بقراراته الجريئة كما سماها المقربون منه وأهل دعايته، والواقع لم يتخذ أي قرار جريء سوى أنه جالس زعماء النقابات وخرج باتفاقات من صميم شغله أما حال التعليم يبكي ولا يفرح يا سيادة الوزير. إن دبلوماسية الوزير والابتسامات المطلوبة في العمل الديبلوماسي لن تجدي نفعا أمام مشكلة عويصة وتاريخية تحتاج إلى جهد كبير وعمل جبار واستراتيجيات واضحة من أجل الخروج به من النفق. وليس الجلوس مع النقابات هو الحل لمشاكل التعليم، طبعا ليس هذا مدعاة لترك المشاكل الاجتماعية لرجال التعليم تتراكم، ولكن بموازاة حل مشاكل المعلمين ينبغي التفكير في حل مشكل التعليم عموما وهو مشكل أكبر من أجر وسلم وكوطا. التعليم قضية وطنية، والقضية الوطنية تحتاج إلى تضحيات. لكن هناك أطراف في القضية لا تريد التضحية بل تضحي فقط بمصير الأجيال وبالروح المعرفية للبلد. لما انخرط المغاربة دفاعا عن قضية الصحراء باعتبارها قضية وطنية، عبر الجميع عن استعدادهم للتضحية بالغالي والنفيس وبالروح والمال، فكيف يمكن أن يكون التعليم قضية وطن دون أن يضحي أحد. فالتعليم قضية وطن، وبالتالي، فإن حله يحتاج إلى تفكير عميق بمشاركة كافة المتدخلين. التعليم ثقافة ومعرفة وشغل. وعناصره وأطرافه بالكثرة التي لا يتصورها الوزير الوفا، الذي لا نعرف هل فرح بحل مشاكل التعليم أم أنه فرح بإرث أسلافه في حزب الاستقلال والذين منهم من قام بمراجعات صامتة وانخرط في أشياء أخرى ومنهم من ذهب إلى حال سبيله ومنهم من ذهب عند ربه ومنهم من اعترف بمسؤوليته التاريخية عن عدم توفير بنيات ثقافية وتعليمية ولغوية قبل إقرار سياسة التعريب؟، هل طرح الوفا سؤال الربط بين التعليم والثقافة من جهة، وسؤال الربط بين التعليم وسوق الشغل من جهة أخرى، أم أنه فرح بمائدة مستطيلة جمعت أصحاب المطالب وهي مطالب حق لا يمكن نكرانها؟ مشكل التعليم ليس مشكل مطالب مادية تتطلب حلولا عاجلة، لكن حلها لا يعني بتاتا أن مشاكل التعليم قد انتهينا منها. ونركز من جديد على أن قضية التعليم قضية وطن وأكبر من الوفا ومن الوزارة برمتها، فما يبكي في التعليم أكثر مما يضحك.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

