في ندوة حول المدرسة العمومية وسؤال التعدد اللغوي بالمغرب . ملتقى الشبيبة المدرسية بالمهدية يدعو إلى التشبث بالهوية المغربية والانفتاح على اللغة الأجنبية .في إطار برامج الملتقى الوطني للحوار التلمذي المنعقد تحت شعار ” من اجل مدرسة مغربية تحمي الهوية الوطنية ” عرف فضاء مخيم المهدية ندوة فكرية من تأطير كل من الأستاذ عبد الرحمان بلوش الكاتب العام بالنيابة ( للجمعية المغربية للبحت و التبادل الثقافي ) و الأستاذ عادل بن حمزة عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال .
و استهل الأستاذ عبد الرحمان بلوش مداخلته المعنونة بالأمازيغية و تدبير التعدد اللغوي و التنوع الثقافي بالمدرسة المغربية بتثمين الدور الكبير و المهم الذي تقوم به جمعية الشبيبة المدرسية لتأطير الشباب المغربي و ذلك باختيار سؤال الهوية كمحور أساسي للنقاش في الملتقى .و اعتبار الأستاذ انه من الضروري في بداية هذا العرض إن يسائل بعض المفاهيم ذات الصلة بالموضوع من قبيل مفهوم المدرسة المغربية . الهوية المغربية , الإصلاح . أما بخصوص المفهوم الأول استفهما الأستاذ : “هل المدرسة المغربية من صنع المغاربة بعد عهد الحماية” أم أنها ارث استعماري أدخلت عليه الرتوشات تسببت في أزمة لا يكاد يختلف اثنان حول تفاقمها .و أوضح أن الإجابة ستمكننا من الوقوف عند موطن الخلل التي شابت انطلاق المسار التعليمي ببلادنا وانه لم تنفع معه الإصلاحات و الترقيعات المتتالية . و أضف سؤال جديدا كيف كان تعليمنا قبل الحماية ؟ و أتناء الحماية ؟ أو بالأحرى كيف انتقلنا من تعليم عتيق إلى ما أصبح يسمى أتناء الحماية بالتعليم العصري ؟ ثم كيف استطاع مهندسو التعليم آنذاك تكييف هذا النوع من التعليم مع متطلعات الحركة الوطنية الهادفة إلى التخلص الفكري من الاستعمار ؟ بتبني المبادئ الأربعة المتمثلة في التعريب , التعميم , التوحيد و المغربة. هذه المبادئ التي تبدو طموحة و مثالية وفي الواقع نجد جل أصحابها يرسلون أبنائهم إلى مدارس البعثات الأجنبية مما تسبب في إفراغ الشعارات السابقة من حمولتها الوطنية , وحالت دون ترجمتها على ارض الواقع ناهيك عن إغفالها و تنكرها لواقع المجتمع المغربي بتعدد لغاته و تنوع ثقافته .المفهوم الثاني هوية المدرسة المغربية , يمكن القول إن هوية المدرسة يجب أن تعكس وتترجم هوية المجتمع الذي توجد فيه , فالهوية الجماعية المغربية تشكلت عبر العصور من عدة روافد يتحتم استحضارها في كل إصلاح بغض النضر عن مرجعيتها المختلفة , و إلا فان المدرسة ستكون ناقصة الهوية كما هو الشأن بالنسبة إلى مدرستنا التي أصبحت تنتج أجيالا مهددين بفقدان هويتهم الأصلية و نحن نعرف ما يترتب عن هذه النتيجة من عواقب وخيمة على مستقبل ناشئتنا من تطرف و تنكر للذات و الوطن , فضلا عن جعلهم فريسة في متناول الاستلاب و العولمة المتوحشة .المفهوم الثالث : الإصلاح . فللحديث عن الإصلاح فهذا يعني أن هناك خلل أو عطب يتطلب تدخلا لتقويمه . فالإصلاحات التي عرفها النظام التعليمي ببلادنا بدءا بمناظرتي افران و المعمورة ومرورا بعدد من الترقيعات الوزارية التي ينتهي مفعولها بتغيير الوزير إلى صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين, فالمخطط الاستعجالي و إجراءات التحكم في اللغات التي انكب عليها مؤخرا المجلس الأعلى للتعليم تتطلب القيام بتشخيص دقيق للوضعية لمعرفة الداء و تحقيق الإصلاح المنشود, و إلا فإن الإصلاح سيبقى مجرد وهم ليس إلا.أما بخصوص المحور الثاني فقد عنونه الأستاذ بواقع و آفاق الأمازيغية في النسق التربوي.بحيث تحدت فيه عن وضعية ما قبل الإدماج أي من بداية الاستقلال إلى غاية 2003 مركزا بالمرجعية التي أثرت على عملية تدريس اللغة الأمازيغية مشيرا إلى الخطاب الملكي لسنة 1994 بمناسبة ذكرى ثورة الملك و الشعب و كذلك باقي الخطب الملكية التي انصبت في هذا السياق, وأساسا خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لسنة 2001 بأجدير الذي أعلن فيه عن ضرورة النهوض باللغة الأمازيغية و إدماجها في المنظومة التربوية و رد الاعتبار لها, و اعتبر أن إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية شكل قفزة نوعية في إدماج هذه اللغة في المدارس هذا بخصوص المرجعيات الرسمية. أما بخصوص المرجعيات التنظيمية فقد أشار الأستاذ إلى اتفاقيات الشراكة الموقعة مع الوزارة و الأكاديميات و الجامعات, وهكذا بدأ تدريس الأمازيغية في 354 مدرسة على الصعيد الوطني , و تم التركيز في المقررات و المواد الدراسية على التواصل و الكتابة و القراءة. لتمرر من خلالها الحمولة الثقافية للغة الأمازيغية, و تم تخصيص فترة تكوينية للأساتذة في إطار مرسوم وزاري.و خلص الأستاذ في مداخلته إلى ضرورة وجود حماية قانونية للنهوض و نشر اللغة الأمازيغية , كذلك رغم التطور الحاصل و الملموس في تدريس المادة إلا أنه لا زالت هناك بعض المشاكل و الاختلالات القابلة للتجاوز. وأشار بدوره الأستاذ عادل بنحمزة في مداخلته غلى أهمية الدور الذي تلعبه الشبيبة المدرسية في تأطير و تكوين الشباب التلمذي و إتاحة الفرصة لهم لمناقشة قضايا المدرسة المغربية. وأكد على أن المدرسة هي حجر الزاوية في اتجاه أي تحول و في اتجاه ضمان حقوق و التزامات التلاميذ, وهكذا استشهد بما عرفه المغرب خلال فترة الاستعمار من أن التعليم كان ينقسم إلى ثلاث أنساق تعليمية : التعليم الأوروبي العصري, التعليم التقليدي, التعليم اليهودي الإسرائيلي. الشئ الذي دفع الحركة الوطنية إلى إدخال نظام جديد ألا و هو نظام حر له تداعيات ثقافية و رمزية و هذا مرتبط بالأساس بالحرية. مما أدى آنذاك إلى تشكل شبكة المدارس الحرة, و لاحظ الأستاذ عادل بنحمزة أن قطاع التعليم الآن أصبح يشكل نوعا جديدا من الاستثمار في المدن و القرى حيث أن أكثر من 15 في المائة من المغاربة يقومون بتدريس أبنائهم في القطاع الخاص فيما يطرح سؤال, موقع المدرسة العمومية بالمغرب ؟ ون أكد على ضرورة وضع دفتر تحملات خاص بالمدارس الحرة و البعثات الأجنبية لضمان التنشئة الفكرية السليمة و التي تحافظ على الهوية المغربية و تفادي إشكالية الاغتراب . تسأل في هذا الإطار : هل الأجيال القادمة ستحافظ على اللغة العربية و المدرسة الوطنية و بالتالي الهوية المغربية ؟ و أوضح أن واقع التعليم بالمغرب الذي يعرف تعددا على المستوى اللغوي (مغاربة يدرسون الاسبانية, الانجليزية … الخ) مقارنا وضعية المغرب اللغوية بمجموعة من الدول المتقدمة التي تعتمد في نظامها التعليمي على اللغة الأصلية لتحقيق التطور على جميع الأصعدة. معتبرا أن اللغة لم تشكل في يوم من الأيام عائقا في سبيل التقدم بل العطب يوجد في الإنسان.و اختتم مداخلته بطرح أربع إشكاليات كبرى : كيف نعالج التعدد اللغوي في علاقته بالتعدد السياسي ؟ ما هي الجدوى من اللغة اقتصاديا و ثقافيا ؟ كيف نخرج من عقدة الاستقلالية و التبعية اللغوية ؟ كيف نتكلم عن الوحدة الوطنية و التعدد في بلادنا ؟مشيرا على ضرورة الاحتكاك باللغات الأجنبية مع الاعتزاز و الحفاظ على اللغة الأصلية أي العربية و بالتالي الوصول إلى تحقيق الهوية المغربية .
المصدر: المصطفى التاج نشر في أسيف

