د ـ محمد فخرالدين
قال الراوي صلوا على النبي الرسول:
وداموا على موائد الطعام مدة سبعة أيام بالتمام والكمال، وهم في فرح وسرور، ولم يمض يوم إلا وبنو غطفان يزيدون من قدر عنترة وأبيه شداد ومن معه من الرجال الأجواد من بني قراد ….. ـ يا سادة كرام ـ
ثم أنه بعد أن انقضت الوليمة والاحتفال، عاد بني قراد طالبين الأوطان، بالنساء والبنات والأولاد، ومازالوا سائرين بالليل والنهار، حتى قاربوا الخيام، فسمعوا الصراخ والصياح والنواح، وقد وصل من مختلف الجنبات، والغبار قد علا على الربى والفلوات …
فأدركهم الخوف والقلق وعلموا أن أمرا خطيرا قد وقع في غيابهم ، ثم إنهم اقتحموا المضارب والخيام، فوجدوا النساء متهتكات والبنات بارزات، وكلهن قد أيقنن بشرب كأس الممات وقد خفت منهم الحركات…والرجال القلائل الذين تبقوا في الحي كلهم جراحات ..
وكان السبب في ذلك ـ يا سادة يا كرام ـ أن الملك زهير قد أخذ فرسان بني عبس الذين بقوا في الحي، وسار بهم طالبا ديار بني عدنان..يطلب عدوا لهم يقال له المتغطرس بن فراس وكان جبارا صعب المراس..
وقد بلغ الملك زهير أن ذلك الفارس تجهز له ببعض الفرسان فصعب عليه ذلك الأمر والشان، فخرج إليه يلاقيه في الطريق وترك فرسانا قلائل في الديار..
فاختلفا في الطريق من غير قصد ووصل المتغطرس إلى ديار بني عبس فوجدها فارغة خالية..فأفنى الرجال وأهان النساء، وانصرف بالغنائم والأسلاب وأخذ الجمال والأموال…
وفي هذا الوقت أقبل عنترة وأخوه شيبوب وشداد، وكل القوم من بني قراد، وعاينوا ما لحق ببني عبس من هوان ونظروا إلى ذلك البلاء العظيم الذي حل بهم ..
عند ذلك قال شداد لغيره من سادات بني قراد:
ـ لقد قلعت آثارنا وخربت ديارنا وما جرى هذا المجرى ووقع ما وقع إلا لأن الملك زهير كان غائبا، فدونكم يا بني عمي هذه الكتائب، لنأخذ بثأرنا ونسترجع أموالنا…
وكانوا أربعين فارسا من بني قراد، تركو العبيد عند النسوان إلا عنترة فقد خاطبه أبوه شداد قائلا:
ـ اليوم انتظر أفعالك كما سمعت من الأخبار وما نقل عنك الرجال ورأوا منك في سابق الحال..
فتبسم عنترة كل الابتسام وقال:
ـ ليس الخبر كالعيان وسترى مني ما يعجبك ويرضيك ..فاليوم تشكرني عند لقاء هؤلاء الفرسان في ميدان الحرب والقتال …
ثم إنهم ركبوا جيادهم وتقلدوا رماحهم والسيوف وجمعوا الصفوف وساروا وهم يصيحون بصوت واحد:
ـ يا لعبس ويا
لذبيان ..
وحملوا الرايات والقواضب والأعلام وطلبوا الفرسان من كل جانب ومكان ..حتى أدركوهم ووصلوا إليهم قبل أن ينزل الليل بالاعتكار على الروابي والبطاح..
وطلب عنترة ميمنة الفرسان..وحمل عليها كالليث المصادم إذا رأى فريسته، ومع ذلك كان ينشد على عادته من نظم الأشعار:
اليوم أسعرها نارا بلا حطب ..تفني الجبابرة الفرسان في العطب
واليوم أسعرها حربا تذل له ..إذا علوت رؤوس القوم
بالغضب
ثم إنه هجم على الميمنة فخبلها وشتتها، فتنافرت من بين يديه الأعداء، وكذا فعل شداد وإخوته في الميسرة …وصار القتال مشتعلا بين الفريقين واتسعت الأبطال في المجال، وتصادموا على ظهور الجياد، وضربوا بالسيوف الحداد وسالت الدماء من صدور العباد كما يسيل على الأوراق المداد..وتقابضوا بالسواعد الشداد ولم ينفع الادعاء أو العناد..
وحانت من عنترة التفاتة فأبصر المتغطرس، وكان واقفا على رأس رابية عالية كأنه قلة من القلل أو قطعة قدت من جبل، وحوله الرايات مرتفعات والخيل من حوله نافرات ..وهو لا يحرك ساكنا ولا يتأثر بشيء على كل حال …، فجد في طلبه في الحال يطلب منه الحرب والقتال ..ويسأله النزال دون غيره من الرجال..
فلما رآه المتغطرس وأدرك نيته وغايته، انحدر إليه من الرابية هو وعدد من رجاله الشجعان الذين لا يفارقونه مهما كان..
فالتقاهم عنترة ومن معه من فرسان بني عبس بالصدور، والصبر على عظائم الأمور، و تبادلوا معهم الطعن والضرب دون خوف ولا عثور …
وكان العبد بسام يشهد ما يقوم به عنترة من الفعال والبراعة في الحرب والقتال، فزاد حسده له والنفور، فأضمر أن يقتله إن وجد فرصة تسنح، ويجهز عليه وهو منشغل في الحرب بلا
صفح …..

