في ظل الأحداث الدولية المتسارعة، برز تطور جيوسياسي مهم يخص قضية الصحراء الغربية. بينما كانت الأنظار مشدودة نحو قضايا أخرى بعيدة عن المغرب والجزائر، انتهت مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، مما يفتح أفقا جديدا لهذا الملف الذي ظل عالقا لفترة طويلة. وتحليل عميق نشر في موقع “ذا ناشيونال إنترست”، الذي يعد منصة بارزة في مجال السياسة الخارجية والأمن القومي، سلط الضوء على الديناميكيات المعقدة لهذه القضية. جاء المقال بعنوان معبر: « لقد حان الوقت أن تغادر الأمم المتحدة الصحراء الغربية ».
لفهم دلالة هذه القراءة، ينبغي الانتباه إلى الخبرة التي يتمتع بها مؤلفا المقال. فيعتبر بريت دي. شيفر باحثًا مرموقًا في معهد “أميريكان إنتربرايز”، حيث تركز أعماله على المعاهدات متعددة الأطراف وعمليات حفظ السلام. كما عمل سابقا كباحث رئيسي في مؤسسة “هيريتيج”، وشارك في لجنة المساهمات التابعة للأمم المتحدة. أما ليام كار، فهو مسؤول عن فريق أفريقيا ضمن مشروع التهديدات الحرجة، ولديه خبرة تسهم في فهم الوضع في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء.
يرى المؤلفان أن نهاية المينورسو قد غطت عليها الأحداث السياسية العالمية، حيث اختفت في زخم الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة وعلى وقع اختيار الأمين العام الجديد للأمم المتحدة. ومع ذلك، يفيد المتخصصان بأن وجود المينورسو، الذي دام خمسة وثلاثين عامًا، قد انتهى بسبب فشل مجلس الأمن في التوصل إلى اتفاق لتجديد ولايتها.
على الرغم من انزعاج بعض الأطراف من هذا التطور، إلا أن شيفر وكار يدعمان نظرة واقعية؛ فعمليات حفظ السلام لم تعد حصنا ضد الفوضى بل ساهمت في الحفاظ على جمود الوضع الحالي. وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، لم تسهم هذه العملية في خلق الظروف المؤاتية لحل سياسي، بل باتت تبريرا لتفادي البحث عن الحل المنشود.
نحو انفتاح سياسي جديد
يؤكد التحليل أن زوال المينورسو لا يعني الكارثة، بل قد يكون فرصة لتجاوز حالة الجمود الدبلوماسي. بإظهار حقيقة وجود هذه البعثة كغطاء لتجميد النزاع، تتاح نهاية المهمة لإعادة التفكير في المسار السياسي واستكشاف حلول جديدة وفعالة.
في هذا الإطار، تطورت الديناميات الجيوسياسية لصالح المغرب. فالمملكة، بفضل استراتيجيات فاعلة في مجال الدبلوماسية، تمكنت من تقويض دعم “الجمهورية الصحراوية” الوهمية في مختلف دول القارة. وتفاقم هذا التحول مع اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء في 2020، حيث أكدت الإدارة الأمريكية أن “قيام دولة صحراوية مستقلة ليس خيارا واقعيا”، وأن “حكما ذاتيا حقيقيا في ظل السيادة المغربية هو الحل الوحيد القابل للتحقيق”.
إلى جانب ذلك، فإن المجتمع الدولي أصبح أمام حقيقة صعبة تتمثل في استحالة إجراء استفتاء. حيث حذت العديد من الدول الأفريقية والأوروبية، مثل المغرب وموريتانيا، حذو هذا التوجه، وأعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب عام 2007، مترجمة هذا الدعم بفتح قنصليات لها في الأقاليم الجنوبية.
وقد أشار المؤلفان إلى أن هذا التحول تم تجسيده في قرار الأمم المتحدة رقم 2797 في عام 2025، الذي يدعو الأطراف للانخراط في مناقشات غير مشروطة وفقًا لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي. واعتبر القرار أن “الحكم الذاتي الحقيقي هو المخرج الأكثر واقعية” للحل.
في أكتوبر 2026، عملت الولايات المتحدة على تأكيد هذا التحول من خلال الدعوة إلى أن يصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للتفاوض. ورغم الضغوط، أوقفت روسيا هذا التوجه باستخدام حق الفيتو، مما حال دون الوصول إلى تسوية. وفي غياب توافق داخل مجلس الأمن، انتهت المهمة الأممية، حيث رحبت المغرب بهذا القرار في حين أبدت الجزائر استياءها.
وبذلك، يرى المؤلفان أن استمرار المينورسو لم يعد مبررا، فقد تحول إلى إجراء بيروقراطي مكلف وغير فعال. فلم يعد بإمكانه تقديم “نتيجة إيجابية”، وطالما لم يعد يتفق مع الموقف الأمريكي ولا مع مواقف عدد متزايد من المجتمع الدولي، بما في ذلك عدة دول أفريقية.
استنادًا إلى تصريحات السفير الأمريكي مايك والتز، وصف التحليل استمرار هذا الوضع بأنه “غير إنساني”، حيث يحكم على جيل جديد بالنزوح والمعاناة، دون أن يشكل ضمانة حقيقية لعدم اندلاع نزاع جديد. وخلص التحليل إلى أن “وجود 158 فردا من قوات حفظ السلام و201 موظف مدني تابع للأمم المتحدة لم يشكل رادعًا للعدائيات، بل كان ذريعة مريحة لتجنبها”.
من خلال إنهاء مهمة المينورسو، تسعى الولايات المتحدة إلى دفع الأطراف المعنية، الجزائر وجبهة البوليساريو، إلى الانخراط في مفاوضات حقيقية. ومن هنا، نأمل أن يسهم إنهاء مهمة المينورسو في تشجيع الأطراف للوصول إلى تسوية جادة للنزاع، مدعومة بتوجهات أمريكية متجددة.
ويختم التحليل بالقول إن التاريخ يعلّمنا أن تجديد تفويض المينورسو لم يكن الحل، بل الأمل يظل موصولا في دفع الأطراف للسعي نحو تسوية كافة القضايا العالقة برؤية جديدة وبإرادة سياسية من الجميع.

