سارعت بعض المنابر الإعلامية التابعة للجبهة الانفصالية، بالإضافة إلى المواقع الممولة من الجزائر، إلى الترويج لهذه التحركات على أنها “انتفاضة شعبية عارمة” ترفض المسار الدبلوماسي الجديد. وقد استندت هذه التحركات إلى الطوق الأمني المشدد الذي فرضته الميليشيات لمنع المحتجين من التعبير عن مطالبهم الحقيقية.
هذا المشهد يعكس حالة من الارتباك داخل قيادة الرابوني، خاصة في ضوء التحولات الدولية المتسارعة، وخصوصا ظهور توجه أمريكي واضح يقضي بالاعتماد على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات. وهذا ما جعل ورقة المناورة الانفصالية تسقط بشكل كامل، وأدى إلى تراجع تأثير الانسحاب من العملية السياسية على الساحة الدولية.
في سياق هذه التحولات، ظهرت فضيحة مدوية بعد تسريب تسجيل صوتي للقيادي في الجبهة، البشير مصطفى السيد، والذي كشف عمق الصراعات الداخلية وانحسار المعنويات في مستويات القيادة. وقد وصف منتدى دعم مؤيدي الحكم الذاتي بمخيمات تندوف تلك التسجيلات بأنها “ضربة قاصمة لتنظيم البوليساريو”، تشير إلى نهاية حكاية طالما دامت لعقود.
التسريبات عكست اعتراف البشير مصطفى السيد بهزيمة “البوليساريو” وفشلها، إذ أعلن عن دخولها مرحلة ضعف غير مسبوق شمل مختلف الواجهات الإنسانية والدبلوماسية والعسكرية.
ما زاد من حدة الوضع هو اعترافات هذا القيادي بحقائق أقرب إلى الصدمة، حيث أطلق نيرانه على زعيم الجبهة، إبراهيم غالي، موضحاً أنه لم يكن يوماً بطلاً كما يروج، بل كان مجرد عون شرطة، وأن انتفاضته لم تكن سوى محاولة للظهور، مع تأكيده على أنه لم يتعرض لأي اعتقال حقيقي.
تزامنت هذه الاعترافات مع تحركات شعبية حقيقية داخل المخيمات، حيث نظم أهالي المعتقلين وعائلات النشطاء اعتصامات أمام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الرابوني. وقد طالبوا بالإفراج الفوري عن المدونين الذين تم اختطافهم، ومحاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
هذا الاحتقان العام جاء في ظل إجراءات أمنية مشددة، حيث تحدت دوريات مشتركة مع عناصر من الجيش الجزائري حرية تنقل العائلات، مما زاد من التوترات بين السكان. في ذات الوقت، يواجه المخيمات أزمة اقتصادية خانقة، تعكسها طوابير طويلة أمام نقاط توزيع الوقود والمساعدات الإنسانية، حالياً في تراجع نتيجة لخفض الدعم الدولي.
تتوالى الأزمات داخل المخيمات حيث تعاني العديد من الأسر من مخاطر تهاوي مدخراتها بعد تعرضها لعملية نصب مالي كبيرة على يد شبكة “إنفرافيست”. هذه الشبكة لم تترك باباً للفساد إلا وطرقته، مما ساهم في تفاقم الأزمة الاجتماعية.
اليوم، تبدو مخيمات تندوف – بعناوينها المغلقة وبطاقاتها الممزقة – أمام مسار تفكك داخلي واضح. فازدواجية مشاهد التجمع القسري لم تعد قادرة على إخفاء العزلة الدبلوماسية المتزايدة، وعدم القدرة على فهم هزيمة سياسية باتت ظاهرة للجميع، في وقت يُشعِر فيه الغالبية بأن ما يجري لا يتجاوز كونه تمثيلاً زائلاً لا يعكس الحقيقة القاسية للواقع.

