حكومة ما أنزل الله بها من دستور. حكومة تتوكّأ على أكثر من عصا التي لها فيها مآرب أخرى. لكنها تستنجد، في كل مرة، ب”عكّاز الطريق” بغية الوصول إلى شطّ الأمان. ولا تكاد تستريح لالتقاط الأنفاس حتى تخرج خرجة الخوارج التي لا تبقي ولا تذر. حكومة لا تجد أيّ عناء في التأكيد على أن لا زيادة في الأسعار، لكنها لا تجد أيّ حرج في تمريرها من «تحت الدّفّ”. وحين يصل لظاها إلى المواطن ويكتوي بنارها، تعود للتأكيد “بوجه أحمر” أنه “ليس هناك زيادة ولا هم يحزنون”، وتطمئن المواطن بانخفاض هام في أسعار الأدوية، وحين يذهب المواطن المسكين إلى الصيدلية، وكله ثقة في كلام الحكومة، تصدمه حقيقة الانخفاض الهام في تلك الأسعار، ليصاب بانخفاض عام في الضغط الدموي، يعود بعدها إلى المنزل وهو يلعن اليوم الذي ولد فيه. و”تكتمل الباهية” حين تطل علينا الحكومة، من خلال نوافذ وقنوات اتصالها، لتؤكد للملإ أن لا يد لها ولا رجل في الزيادات، ولا علم لها بها، بل إن الزيادة في الأسعار لا تدخل في دائرة اختصاصها، هي التي منحها الدستور نعما من الاختصاصات من بين أيديها ومن خلفها. من يزيد في الأسعار ؟ “التماسيح”؟ “العفاريت”؟ “الأفاعي”؟ إذا كانت “التماسيح” هي المعنية، فإن رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، هو أول من كانت له الشجاعة ليخبر مواطنيه المغاربة بوجودها. لكنه لم يستطع أن يكشف عن مكمنها ومقبعها. وترك الجميع في حيرة. إذا كانت “العفاريت” هي المقصودة، فإن بنكيران هو أول رئيس حكومة يرجع إلى كتب الحيوانات يستمد منها العون على مواجهة المحن، وفي نفس الوقت يذكّر المغاربة بضرورة استعمال اللّمز والغمز والرمز في السياسة. وما عليهم إلا أن يدبّروا أمرهم في هذا الشأن، ويعملوا على فكّ الألغاز والرموز. ويكفي بنكيران أنه حدّد لهم معالم الطريق. إذا كانت “الأفاعي”، فإن بنكيران هو أول من يعرف خطورة هذه “الحيوانات”. وإذا كان له ما يكفي من القدرة على تحويل المجسّد إلى المرموز، فإنه كان بارعا في تشتيت اهتمام الرأي العام “بالفن”، وجعل الحديث عن مختلف الحيوانات، الأليفة والمتوحشة، في كل جلسة ووقفة. لكن لم يدر بخلده أن سحره سينقلب عليه حين فطن المغاربة بلعبته، وردّوا بضاعته إليه، فراحوا يتندّرون بحكومة يترأسها “عفريت”، ويتبادلون النكت حول “العفاريت” التي تظهر وتختفي في دواليب الحكومة، و”العفاريت” التي تضع العصا في عجلتها، و”العفاريت” التي تشوّش عليها، و”العفاريت” التي تشبع الحكومة صفعات، وتنزل بها ضربات من دون أن تدري هذه الحكومة من أين تأتيها ومن طرف من، و”العفاريت” التي لا همّ لها إلاّ عرقلة تجربة الإسلاميين في حكم هذا البلد الأمين. إزاء كل هذا، لم يطرح أحد من البرلمانيين أو الصحفيين على دولة رئيس الحكومة هذا السؤال: هل هذه “العفاريت” من الجنّ أو من الإنس؟ وإذا كانت من هذا الصنف أو ذاك، هل هي مؤمنة أم لا؟ وما هي الإجراءات التي تعتزم الحكومة تطبيقها والعمل بها لمواجهة هذه الظاهرة التي تناسلت عنها ظواهر “التبركيك” و”التقرقيب” و”التشرميل” و”التسنطيح”، وما جاورها من “التبندير” و”التسخسيخ” و”التفدليك”، وهلم جرّا. شكرا السيد الرئيس على رحابة صدركم، واتّساع “قشّابتكم”.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

