شيء ما غير عادي تماما يجري في الساحة الاستقلالية، أو على الأقل يشدّ الانتباه، ويطرح تساؤلات، منها ما زال معلّقا أو عالقا، ومنها ما زال ينتظر الأجوبة الشافية التي من شأنها أن تضع حدّا للشائعات والتأويلات والقراءات السبع التي أصبح يتقنها الكثير ممّن يتم تصنيفهم في خانة المحللين والمتخصصين في الشأن الحزبي، وتحديدا فيما يجري داخل البيت الاستقلالي. لعل الغياب اللاّفت لكثير من رموز حزب الاستقلال خلال زيارة الترحّم على قبر الزعيم ورئيس الحزب علال الفاسي بمناسبة الذكرى الأربعين لرحيله، يسمح بالتساؤل عن سرّ هذا الغياب وأسبابه: هل يتعلق الأمر بمرض أم بسفر أم بانشغالات خاصة حالت دون الحضور؟ ويزداد الإلحاح في طرح الأسئلة حين يتعلق الأمر بقيادات تاريخية، حقيقية، من عيار الأستاذين محمد بوستة وعبد الكريم غلاّب، على سبيل المثال. لقد جرت العادة وكانت بمثابة قاعدة أن يحضر أغلب إن لم نقل جميع أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب في هذه المناسبة، لكن اليوم تحوّلت القاعدة إلى استثناء يتمثّل في الغياب الملحوظ لابني الزعيم على الخصوص، عبد الواحد وهاني الفاسي. قد يقال إن للأمر علاقة بالخصومة، الشديدة الحرارة، بين تيار الأمين العام الجديد للحزب بزعامة حميد شباط وتيار بلا هوادة الذي يطعن في مجمل العملية الانتخابية التي قادت شباط وجماعته إلى الأخذ بمقاليد القيادة. لكن هذه الخصومة لم تحل دون حضور ابني الزعيم التاريخي للحزب ومشاركتهما في الذكرى ما قبل الأخيرة. نقول هذا مع تسجيل الغياب المهول للوجوه القيادية المعروفة في الحزب وأعضاء بارزين سابقين في اللجنة التنفيذية له. ذلك أنه ليس من قبيل الصدفة أن يحدث “اتفاق” بهذا الشكل على “هروب جماعي” من إحياء ذكرى وفاة الزعيم، علما أن أغلب المعنيين كانوا على صلة مباشرة بعلال الفاسي، وعملوا بجانبه، وساهموا معه في قيادة سفينة الاستقلال. نفس الغياب يتكرر في غير هذه المناسبة، آخرها الاحتفال الذي نظمه الحزب بمسرح محمد الخامس. في المقابل، حضر الأمين العام الأسبق للحزب، محمد بوستة، وغيره من الاستقلاليين، بنفس المناسبة التي نظمها تيار بلا هوادة، وهو الحضور الذي أثار انتباه الأوساط السياسية وسجلته باهتمام وعناية. هل رأى بوستة أن واجب الحضور هنا أجدى من واجب الحضور هناك؟ هل فضّل هدوء وسكينة أجواء المكتبة الوطنية على الأجواء المشحونة والصاخبة، وتجنّب “صداع الراس”، بمسرح محمد الخامس؟ هل هي رسالة واضحة منه لجماعة شباط وعليهم قراءة ما بين سطورها بالتّأنّي اللازم، وبكل هدوء وضبط أعصاب؟ هذه الأسئلة وغيرها تجد تبريرها، إن لم نقل شرعيتها، كون أن بوستة من حكماء حزب الاستقلال إلى جانب أنه وجه قيادي تاريخي، ولا أحد ينازع أو يشكّك في ذلك، وبالتالي فإن أيّ خطوة تقوم بها شخصية من هذا العيار، لا بدّ أن تكون محسوبة ومدروسة بدقّة وعناية؛ لها ما قبلها ويكون لها ما بعدها. كيفما كان الأمر، هي رسالة من الأهمية بمكان لكل من يهمّهم أمر الاستقلال؛ تأتي في وقت غير عادي. لكن يتطلّب الأمر قراءتها بأكثر من لسان فصيح، خاصة أن رسالات بوستة فيها الكثير “من الخدمة”، ممّا يعني أنها تتطلّب الكثير “من الخدمة”.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

