لئن كان حفظ كتاب الله في الصدور حلما بعيدا عن قوم وصعبا عند آخرين، فإن حليمة هرادي (متزوجة و أم لأربعة أطفال) استطاعت أن تكون من نخبة هذه الأمة، ممن كان لديهم الهمة العالية والإرادة الصادقة، فحفظوا كتاب الله الذي يسره الله تعالى للحفظ والذكر، لتثبت أن شجرة أسرتها أوراقا خضراء مورقة، فالوالد خريج جامع القرويين كان حافظا لكتاب الله، وإحدى بناته لم تحرم نفسها بتوفيق من الله وعونه من التنعم بهذا الخير الوفير، الذي يحصد خيره في الدنيا والآخرة بركة وأجرا وسعادة ورضا وتفوقا. تأسيا بما قاله بن مسعود :” إن هذا القرآن مأدبة الله فخذوا منه ما استطعتم ، فإني لا أعلم شيئا أصغر من بيت ليس فيه من كتاب الله شيء خرب كحجرات البيت الذي لاسكن له”.
حفظ كتاب الله مشروع لم تكن في غفلة عنه، كانت الفكرة واردة، لكن الطموح كان يتوقف حول الكيفية والطريقة في تنفيذ نقل كتاب الله من السطور إلى الصدور في زمن معقول لعلها تكون به أسوة وحافزا للسير في درب العز والشرف والكرامة دنيا وآخرة. كانت تجربة حليمة فريدة من نوعها جبارة في نتائجها، ففي خضم المشاغل الحياتية… تربية أربعة أطفال، تعهد متطلبات زوج رياضي، ورعاية والدة أقعدها المرض، ومشاكل عائلية عاصفة، كان التساؤل : هل يمكن لمشروع حفظ كتاب الله أن يحالفه النجاح، في ظل ظروف كانت تعتقد أنها ربما لا تسعف الكثيرين حتى لقراءته. وكانت الإجابة الشافية عن هذه التساؤلات عملا، لتثبت بالتجربة أن لا مستحيل في درب المسلم وهو يضع نصب عينيه قوله تعالى: ( فإذا عزمت فتوكل على الله). فحفظ كتاب الله مشروع لا يعرف الفشل، وهو مشروع جدير بأن تبذل في سبيله الأوقات وتنفق من أجله الأموال، كان هذا الطموح همة تسكن قلبها، وتيسر دربها، وتخطط على منوالها مستقبلها. ولم تلبث أن امتلكت شروط هذا الطموح، وهي تحفظ القرآن الكريم في ظرف سنتين، تحكي عن ذلك حليمة بقولها “عندما قبلت المشرفة على قسم التحفيظ انخراطي رفقة زميلاتي وكنا حوالي 30 امرأة، بدا لي ما اشترطته مقابل انتسابنا لقسم التحفيظ صعب التحقيق، لقد كان يستعصي علي حفظ الثمن فكيف بحفظ الحزب في الأسبوع، لكنني استعنت بالله فمنه العون والمدد، وانخرطت في المشروع، كنت أتابع الحفظ بهمة عالية وحرص بالغ، وأنا في الشارع أردد القرآن بواسطة سماعات الهاتف، حيث أقوم بتسجيل الآيات المطلوبة، أو من خلال المراجعة الورقة، حيث كنت أعمد إلى طباعة ما أود حفظه من الآيات وتظل الورقة بيدي للتثبت من حفظي، كلما نسيت شيئا أعود إليها إلى أن أصل إلى البيت، تصاحبني الورقة أثناء قيامي بكل الأشغال المنزلية أيضا، وعند رعايتي لوالدتي المريضة.. أقوم بكل الأعمال ولساني لا يفتر عن تلاوة الآيات في سبيل تركيز حفظها …، وهكذا كان الأمر في مرحلة الحفظ الأولي كل أسبوع من الخميس إلى الاثنين، فيما يكون الحفظ الثاني ابتداء من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء صباحا حيث يكون التركيز وضبط الآيات حفظا متقنا قبل موعد الخميس الذي يكون به استظهار الحزب كاملا أمام المشرفة على التحفيظ كما اتفقنا” ومع توالي الأيام كانت حليمة أكثر عزما وهي تقترب من المراد، ومع تحقيقه كانت الفرحة التي لا توصف، لكن ما هو أجمل وأروع وأكثر تأثيرا من لحظة ختم القرآن الكريم، وهي لحظة لا يحس بها إلا من عايشها، لم تشأ هذه السيدة تصويرها، لأنها تخشى أن تقلل من شأنها، لتبقى اللحظة مفتوحة ليجربها كل من يوفقه الله لهذا الاختيار بنفسه. مسيرة الحفظ لم تتوقف لدى هذه السيدة، ولا يمكنها أن تتوقف، فهو مشروع العمر ومع استمرار الحفظ تكتشف أسرار كتاب الله، وفي سعيها للإتقان والتجويد وحرصها على ما تقتضيه مسؤولية الحفظ، تابعت المسار مع عدة شيوخ مثل الشيخ الشاعري بمعهد القريعة، وعبد العالي أعنون والشيخ يونس، فيما تنتظم الآن في حصة أسبوعية مع الدكتور عطفاي لتنهل من علم القراءات والرسم القرآني… بل وتجمع بين تكميل نفسها الآن بتعلُّم القرآن، وتكميل غيرها بتعليمه القرآن، وهي تشرف على تحفيظ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 4 سنوات إلى 13 سنة بمجموعة من المساجد. تختصر حليمة هرادي بركات هذه التجربة وما تتفيأ من خير تحت ظلالها بالقول “حينما خالط عقلي وقلبي القرآن الكريم، أصبح كأنه عضو من أعضائي أغذي به روحي وعقلي، ذقت الفتح الرباني، فنعمت بفضله بركة في الوقت وفي الجهد والعمل، وقلت مشاكلي العائلية، وعشت التغيير في التربية النفسية والذاتية على مستوى مواجهة الأحداث ومواقف مواجهتها. لأن القرآن يجمع على الإنسان أمره في الاعتقاد، ويرسخ فيه مَلَكةَ الرقابة الذاتية في السلوك، ففي صحبة مع كلام الله أعيش يومي وأسعى لآخرتي”.
المصدر: عزيزة الزعلي نشر في التجديد

