أصبحت الجامعة المغربية بعيدة عن البحث العلمي بعد السماء عن الأرض، وأصبح أساتذتها مهمومين بعالم الاستشارات والجري وراء الأحزاب والإدارات والمراكز، وأصبح طلبتها في نأي عن طلب العلم الذي لن يفيدهم غدا في العيش مادامت الجامعة تفرخ العاطلين.. هذا الحال أصبح مأساويا إلى حد أن الجامعة المغربية أصبحت بنيانا شامخا فارغ المحتوى، وملجئا للذين خانتهم السبل ولم يجدوا عنها بديلا بعد الحصول على الباكالوريا. كان الأمر كذلك منذ أكثر من عشرين سنة، و”ها نحن هرمنا” كما يقول المناضل التونسي، ولا أمل في الأفق، ولا إصلاح على الأبواب، غير الوعود المعسولة، والبرامج الخجولة التي أصبحت لا تضر ولا تنفع. الأساتذة الجامعيون يستفيدون مما يكفي من الوقت لكي ينكبوا على البحث العلمي، وينقذوا وجه المغرب في هذا المجال. لكن بعضهم يقول أن البحث العلمي لن يفيد جيوبهم، كما هو الحال بالمراكز الإدارية والاستشارات الخاصة. أما الطلبة فحتى هموم التأطير النقابي والجمعوي لم تعد تغريهم، كما كان الأمر بالأمس، ولذلك فقد عوضوه بالأنترنيت والفايسبوك والتويتر، وهو الذي حملهم إلى الخروج إلى الشارع ضمن حركة سموها عشرين فبراير. إن إهمالنا للتعليم والتأطير هو الذي جعل الشباب المغربي يقرر تأطير نفسه بنفسه، والمطالبة بالإصلاحات والتغييرات التي تنسجم وتطلعاته. إن إهمالنا للتكوين والتعليم هو الذي جعل الشباب المغربي المشجع للفرق الرياضية، يحرم باقي المتفرجين من التمتع بالمقابلات الرياضية، ويحول ساحات الملاعب إلى ساحات للمبارزة والتخريب والتدمير بشكل “هوليكانزي” . لقد استطاعت الدول الأوروبية في ظرف وجيز التحكم في مشجعي فرقها، وتأطيرهم، وتحسيسهم، واسترجاع وعيهم. بينما وجدنا أنفسنا أمام شباب تاه في المدارس المغربي فلم يجد له سبيلا، وتاه في الجامعات فلم يجد له سبيلا، وتاه في الملاعب الرياضية فلم يجد له سبيلا. كل ما نراه اليوم من رد فعل معاكس أو مفاجئ أو انتفاضي، إنما هو بسبب فشل تعليمنا الوطني ، وما لم يتغير حال التعليم المغربي، فستبقى الإصلاحات المؤسساتية المقترحة ناقصة وضعيفة الجدوى ، وكذلك هو الحال.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

