من الأمور التي اعتدنا على ملاحظتها في كل موسم دراسي، وهي نتيجة منطقية للاختلالات العجيبة في قطاع التربية والتعليم الذي تناوب على إدارته وتسييره الكثير من الخبراء والمختصين والدكاترة والأساتذة منذ الاستقلال إلى اليوم، وجود قسم بدون معلّم، ووجود معلم أمام أكثر من أربعين تلميذا في القسم، ومعاناة مؤسسات تعليمية مع قلّة التجهيزات والأقسام لاستيعاب العدد المتزايد من التلاميذ، والنقص في عدد المعلّمين والأساتذة، وفي الموارد البشرية، وتغيبات نساء ورجال التعليم المبررة وغير المبرّرة، والاعتداءات على المدرّسين والمدارس، والهدر المدرسي.. لكن المضحك المبكي في هذا القطاع يتمثّل في ظاهرة فريدة من نوعها تعرفها إحدى المدارس الابتدائية بحي
الرياض
بالرباط، حيث إن هذه المدرسة ما فتئت تسجل الانخفاض تلو الانخفاض في عدد ونسب المسجّلين بها. حسب أرقام وزارة التربية والتعليم، فقد بلغ مجموع التلاميذ الذين تابعوا دراستهم بالمؤسسة خلال الموسم الدراسي الماضي 51 تلميذا وتلميذة موزعين على ستة مستويات، علما أن البنية التربوية للمؤسسة تتّسع لأكثر من 800 تلميذ. وللمزيد من التفاصيل، فقد استقبل المستوى الأول تلميذين فقط، و5 تلاميذ في المستوى الثاني، و10 في المستوى الثالث، و14 في المستوى الرابع، و11 في المستوى الخامس، و9 في المستوى السادس. إذا كان المعلّم يجد صعوبة في مزاولة مهمته إزاء أربعين تلميذا في القسم، فإنه سيجد صعوبة أكبر وأخطر وهو يجد نفسه رأسا لرأس مع تلميذ واحد أو تلميذة واحدة في القسم (الله على راحة) لكنها محفوفة بالمخاطر. أما ثالثة الأثافي، فتتمثل في هذا الموسم، حيث أوضحت الجهات المعنية أن تلميذا واحدا فقط تمّ تسجيله. هذا هو الجانب المضحك في المشهد، أمّا المبكي فيه، فهو ما تعرفه المدارس في مختلف أنحاء العاصمة من تكدّس وتزاحم وتدافع وتضخّم في جميع الأقسام وعلى مختلف المستويات لدرجة يصعب جدّا، إن لم نقل يستحيل، على المعلّم التعرّف الجيّد على جميع تلاميذه؛ ولن يكفيه موسم واحد لذلك. وبالرغم من تغيّبات التلاميذ، ومن ظاهرة الهدر المدرسي التي من المفترض أن تساهم في خفض عدد التلاميذ في القسم الواحد، فإن ذلك يبقى بدون أثر ولا تأثير على مورفولوجية البنية. أين الحكومة ووزارتها الوصية، ذات الرأسين، وما يليها من الأكاديميات والنيابات، ومن فيها من الأطر التربوية؟ ولماذا لا تتم معالجة مثل هذه الظواهر قبل انطلاق الموسم الدراسي أو على الأقل مواكبة الدخول المدرسي بما يلزم من مرونة من خلال تعاون مسؤولي المدارس الموجودة في نفس
المدينة
مع بعضهم من أجل إيجاد حلول لهذه الظاهرة. من المعلوم أن هناك مؤسسات تشكو خصاصا مهولا من حيث الأطر التعليمية والتربوية، وارتفاعا فظيعا في عدد التلاميذ، بينما تجد في أخرى فائضا من الأطر التعليمية وعددا أقّل من التلاميذ. لا شكّ أن خبراء قطاع التعليم والتربية، وفي مقدمتهم رأسا الوزارة، مدعوون إلى رسم خريطة مدرسية جديدة تقوم على حصر المعطيات الحقيقية والواقعية في كل الجهات ومقارنتها قبل إخضاعها للتحليل والتشريح الذي من شأنه أن يسمح بوضع اليد على مكمن الخلل أو الاختلالات التي تئن منها المؤسسات التعليمية في كل سنة، وفي كل شهر، وفي كل يوم، وفي كل ساعة. وتبقى الزبونية والمحاباة والمحسوبية في عملية تعيين وتوزيع الأطر على رأس هذه الاختلالات التي تتّسع وتتوسّع من دون وازع ضمير ولا رادع سلطة، الشيء الذي ينعكس بالسلبية التامة على قطاع من المفروض أنه هو الذي يكوّن ويربّي أطر ونخب الغد. فكيف يتم تكوين وتربية أطر ونخب المستقبل بينما الحكومة لا تستطيع النظر إلى أبعد من أنفها ؟
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

