أقدمت المديرية العامة للأمن الوطني على اتخاذ قرارات هامة،إن لم نقل جرّيئة ،بخصوص إعادة ترتيب البيت الأمني بما يفرض ذلك من صرامة ، الغرض منها ، بدون شك ، تكريس هيبة الأمن الوطني التي فقدت الكثير من ملامحها في السنوات الأخيرة . من بين هذه القرارات محاربة الرشوة في صفوف رجال الأمن ، وهو إجراء ملحّ يتماشى والسياسة العامة للدولة بشأن تجسيد المزيد من الشفافية والحكامة والنزاهة والمسؤولية والمحاسبة التي هي من معالم الدولة الديمقراطية الحديثة . بالرغم من التاخّر الحاصل بخصوص محارة الرشوة في أكثر من قطاع ،فما زال هناك الأمل لخوض حرب ضروس ضد هذا الوباء الذي ينخر المجتمع ويجعله فريسة في متناول أشخاص لا يترددون في استغلال وظائفهم ومراكزهم وما أوتوا من سلطة لفرض إتاوات على المواطن في مقابل الحصول على “خدمة” ، أو التغاضي عن تطبيق القانون من أجل دريهمات تسيل لعاب هذا الموظف أو ذاك في هذا القطاع أو ذاك . إن الإلحاح على فضح الموظفين المرتشين، سواء من طرف الإدارة العامة للأمن الوطني أو أي قطاع آخر، يدعو إلى طرح عدة أسئلة تفرض نفسها: من المعني بهذا الفضح ؟ هل المواطن ؟ أم المسؤولون على مختلف المستويات ؟ أم زملاء المهنة؟ إذا كان المواطن هو المقصود في المقام الأول، فهل سيبلغ بالرشوة الصغرى من قيمة عشرين أو خمسين درهما أو أقل ؟ ومن يبلّغ أو يفضح الرشوة الكبرى ؟ إلى جانب هذا ،لا شك أن علامات استفهام كبيرة سيطرحها المواطن على نفسه قبل الإقدام على مبادرة ليست مضمونة النتائج ، بل قد تؤدي به إلى متاهات في غنى عنها ، من قبيل السؤال الكلاسيكي الممّل: هل عندك دليل ؟ وهل عندك شهود كما لو أن المرتشي غبي لدرجة تجعله يتلقّى رشوته على رؤوس الأشهاد؟ أما إذا كان الأمر يتعلق بالمسؤولين وزملاء المهنة ، فمن المؤكد أن كل واحد من هؤلاء يعرف “مصارين” الآخر وما حوى في البيت من زينة . إن “آثار النعمة”، الساطعة والصادحة بل الصادمة في أسلوب حياة الموظف المرتشي، لا تسقط من السماء فجأة. كما أن معالم البذخ والإسراف والمغالاة في الإنفاق بدون حدود… هي الدليل المادي على تورط الموظف المرتشي حتى النخاع، خاصة حين تكون كل هذه الأشياء لا تتناسب ومركزه الإداري والوظيفي وسقف أجره وما جاوره من تعويضات. من هنا على الإدارة المعنية ، والمسؤولين المعنيين ، التساؤل عن سرّ هذه الخير المتدفق الذي ينزل على موظف من الموظفين ، والشروع في الإجراءات التي يفرضها القانون ، وفي مقدمتها تنزيل ” من أين لك هذا؟” حين تنتفخ الأوداج، وتتدلّى الكروش، وتترهّل الأعضاء، فذاك مظهر من مظاهر البذخ والإسراف الفاحش البادية الواضحة للعيان. للرشوة علامات تفضح صاحبها و تنطق بنفسها من دون حاجة إلى استنطاق ، بل إلى استباق قيل أن يتّسع الخرق على الراقع ويصبح للرشوة قرون لا يقدر أحد على مقارعتها ، بل يضطر ، بحكم الأمر الواقع، إلى مجاراتها ومواكبتها . حينها تصبح الرشوة وكأنها قدر منزّل ، وتتحوّل بقدرة قادر إلى قاعدة يتنافس ويتباهى المرتشون في ساحتها . إذا كان هناك من لا ضمير لهم ولا وازع يثنيهم عمّا هم بصدد القيام به من أخذ أموال الناس بالباطل ، وإشاعة الفساد بدون احتساب العواقب ، فهناك “أولاد الناس” في مختلف المرافق والمؤسسات الذين يراقبون الله ويخشونه في عملهم وفي حركاتهم وسكناتهم قبل أن يراقبوا ويخشون القانون والمذكرات الصادرة من هنا وهناك في كل شهر وفي كل سنة بدون طائل . الرشوة تفضح صاحبها وتنطق نفسها . المطلوب العين التي ترصدها والأذن التي تنصت لها.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

