لم يخرج ما جرى خلال لقاء بوش-شارون في مزرعة الأول في تكساس عن دائرة توقعاتنا، لكن العودة إلى اللقاء تبدو مفيدة، لاسيما في ضوء ما لمسناه من بعض الترحيب بتصريحات الرئيس الأمريكي بشأن الاستيطان وما ذكر عن الخلاف الذي طبع الزيارة.
والحال أن موقف بوش من الاستيطان لم يخرج عن دائرة التوقعات أيضاً، وقد كان الإسرائيليون على علم تام بما سيقوله على هذا الصعيد كما كشف محللون إسرائيليون كثر خلال الأيام الماضية، وفي العموم فإن الرجل لم يتحدث سوى عن المستوطنات غير القانونية، أي ما دأبت الأوساط الإسرائيلية على تسميتها بالعشوائية، وهذه لا قيمة لها في واقع الحال، إضافة إلى رفضه توسيع المستوطنات، وهو الرفض الذي لن يؤدي إلى التراجع عن قرار توسيع مستوطنة معاليه أدوميم من أجل وصلها بمحيط القدس ، بل لن يوقف المسلسل التالي بعدها، في حين لم يشر الرئيس الأمريكي إلى مصادرة الأراضي من أجل استكمال بناء الجدار، بل إنه لم يشر إلى الجدار من الأصل، على رغم أن حكماً من محكمة لاهاي قد صدر بشأنه. ما يجب أن نشير إليه هنا هو ما سبق وتحدثنا عنه بشأن لعبة النقد والعتاب الأمريكية الإسرائيلية فيما يتعلق بالاستيطان، وهي اللعبة التي تابعنا فصولاً منها خلال مسيرة أوسلو الأولى من دون أن يؤدي ذلك إلى أية إجراءات على الأرض توقف سعار الاستيطان الذي شهدته تلك المرحلة، فيما يبدو أن ذات السيناريو سيتكرر هذه المرة، ففي حين تواصل إدارة بوش انتقادها لما يجري على الأرض، فإن الإسرائيليين سيتحملون ذلك من دون أن يوقفوا نشاطهم الاستيطاني. تبقى النقطة الأكثر أهمية المتعلقة بوعد بوش لشارون الذي منحه إياه في شهر نيسان من العام الماضي، وهو الوعد الذي صادق عليه الكونغرس بأغلبية ساحقة، الأمر الذي حوله إلى مصدر إلزام من الناحية السياسية، ليس لبوش فقط، وإنما لأي رئيس قادم، وإن لم يكن ملزماً بالضرورة من الناحية القانونية. بالنسبة للوعد المذكور فقد حرص الأمريكيون على ألا يستعيدوا الحديث عنه بشكل مباشر، إلا أن إدراكهم لحاجة صديقهم العزيز شارون لذلك في مواجهة المتطرفين الصهاينة من حوله، قد دفعهم إلى الالتفاف على المسألة، حيث أوضح بوش أن من “غير الواقعي” توقع العودة إلى حدود العام 1949، وهو في واقع الحال ذات المضمون الذي ورد في الوعد الشهير، أي التأكيد على بقاء الكتل الاستيطانية الثلاث الكبيرة في الضفة الغربية ، وهو ما قاله شارون صراحة في المؤتمر الصحفي، وحين تبقى تلك الكتل الاستيطانية ستغدو أهم أراضي الضفة الغربية بيد الإسرائيليين، ليس بسيطرتها على مصادر المياه فقط، بل بتحكمها بجغرافيا الكيان الفلسطيني برمته. هكذا جرى التأكيد على وعد نيسان الماضي من دون التذكير به بشكل مباشر، حتى لا يحرج القادة العرب الذين يقفون خلف المسلسل الفلسطيني الجديد، ومعهم القادة الفلسطينيون الذين يرسمون المسار، وعليهم وحدهم تقع مسؤولية إقناع الشارع الفلسطيني بأن حصادهم هذه المرة سيكون أفضل من نظيره في العام 2000، بعد سبع سنوات من توقيع أوسلو . تبقى مسألة الضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهي مسألة كانت حاضرة بقوة في قمة بوش-شارون، الأمر الذي يعني أن مسيرة الرجل المقبلة لن تكون سهلة لأن مطالب تفكيك البنية التحتية لقوى المقاومة ستظل تطارده في كل محطة، فيما ستتخذ ذريعة للعبة المماطلة التي ستكون طويلة على ما يبدو. هكذا يعود شارون من زيارته العاشرة إلى الولايات المتحدة أكثر قوة من ذي قبل، فيما كان استقباله في مزرعة الرئيس رسالة واضحة للداخل الإسرائيلي وللفلسطينيين وللعرب أيضاً تؤكد أن زمنه لا يزال طاغياً وأنه لن يسمح لأي أحد بالوقوف في وجهه. ياسر الزعاترة
المصدر: التجديد نشر في التجديد

