أصدرت وزيرة العدل الفرنسية قرارا يقضي بإجراء بحث داخلي حول تسريب وثيقة وزارية إلى الموقع الإلكتروني لمجلة “الأوبسيرفاتور”، ووفق معلومات نقلها موقع “لوبوان”، فقد هم التحقيق الذي أمرت به وزيرة العدل الفرنسية كريستين توبيرا، 18 قاضيا بمديرية الشؤون الجنائية والعدل، وهي المديرية التي يشتبه أن الوثيقة تسربت من مكاتبها، ووفق ما تناقلته وسائل الإعلام الفرنسية، فإن القضية لها علاقة بفضيحة “ويرث” التي تورط فيها المستشار السابق في ديوان ميشال أليو ماري كاتبة الدولة في الداخلية والجماعات المحلية على عهد ساركوزي، والتي أدت إلى تعليق مهام المستشار الذي اتهم آنذاك بتسريب معلومات سرية لجريدة لوموند، وأمرت وزيرة العدل الفرنسية من خبراء المعلوميات لديها، بفتح تحقيق نزيه لتحديد المسؤوليات، وهو التحقيق الذي هم حواسيب القضاة 18 الذين حضروا عمليات التحقيق، وكانت مجلة الأوبسرفاتور، نشرت يوم 12 شتنبر الماضي وثيقة سرية تتحدث عن السياسة الجنائية لوزيرة العدل، وذلك حتى قبل أن يتم عرضها على أنظار المجلس الحكومي، وقالت المصادر الإعلامية إن التحقيق هم بالأساس تحديد الجهة التي قامت بتسريب الوثيقة وذلك وفقا للقانون الفرنسي الذي لا يتدخل في طريقة عمل الصحافيين ولكن أساسا في الحفاظ على سرية الوثائق. ويبدو الموقف الفرنسي متناغما مع القوانين العامة التي تحكم علاقة الموظفين بالإدارة، خاصة ما يتعلق بالسر المهني، إذ أن
فرنسا
التي تحمي حق الوصول إلى المعلومة تضع في الوقت نفسه خطوطا حمراء تتعلق بأمن البلد، وهو الأمر الذي يريد البعض عندنا تجاوزه عبر الخلط بين محاربة الفساد وكشف وثائق سرية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصبح في متناول العموم. لكن أكثر ما يثري في هذا الملف، هو موقف بعض وزراء الحكومة الملتحية، الذين اصطفوا في الجهة المناهضة لعمل الدولة، كما حصل مع مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، الذي رفض فتح تحقيق قضائي مع رفيقه في الحزب عبد العزيز أفتاتي، الذي فجر قضية التعويضات التي يتلقاها موظفو وزارة المالية وفي مقدمتهم صلاح الدين مزوار الذي اتهمه بالحصول على أموال من “تحت الطاولة”، وقال إنه يتوفر على وثائق مؤكدة، ومن هنا يبدو موقف الرميد سابقة في العمل الحكومي، لأن الوزير الملتحي فضل اعتماد مبدأ “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” في معناه الحرفي، ضاربا عرض الحائط هيبة الدولة ومصداقيتها، فالأمر كان يجب أن يتجاوز المنطق الحزبي الضيق، ويتجاوب مع منطق الدولة، وهو ما لم يقله الرميد الذي رفض إجراء أي بحث قضائي أو داخلي لتحديد المسؤوليات ومعرفة من هي الجهات التي عملت على تسريب الوثائق، وهل اقتصر الأمر على هذه الوثيقة أم هناك وثائق أخرى تم تسريبها. إن الطريقة التي تعامل بها الرميد مع هذا الملف تنم عن وجود قصور في فهم المسافة الفاصلة بين الدولة والحزب، كما أن هناك خلطا فاضحا وعدم استيعاب الظرفية التاريخية التي تفرض على وزير يدبر الشأن العام أن يترفع عن الحسابات الضيقة ويكون وزيرا لكل المغاربة، لأن محاربة الفساد تقتضي إعمال آليات المراقبة وليس تسريب الوثائق وفضح الأشخاص دون أدلة معقولة ومنطقية، فقط من أجل تصفية حسابات عالقة، والاستفادة من الأحداث في سياق حملات انتخابية سابقة لأوانها، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مصالح البلاد مجالا لها، لأن الحزب يبقى مجرد محطة، ولابد من اعتماد مبدأ السرية في جميع الملفات. إن كثيرا من المواقف التي اتخذها الرميد، بما فيها موقفه من ملف قاضي
طنجة
، تؤكد أن القطاع يعرف تراجعات خطيرة، وأنه تحول إلى فضاء حزبي ضيق تمر من خلاله الرسائل المشفرة بعدما كان منزها عن كل التيارات السياسية، إذ ما معنى أن يتخذ وزير العدل موقفا سلبيا من قضية التسريبات، مع أنه معني بالأمر من منطلق أن مسؤوليته تفرض عليه حماية الأشخاص أولا وأخيرا، ولماذا بارك تمادي أعضاء في حزبه، ولم يقف موقف المسؤول السياسي؟ الجواب بسيط وهو أن وزراء حزب العدالة والتنمية يلبسون قبعتين في الآن نفسه، قبعة الوزير وقبعة الحزبي، لأنهم يخدمون أجندة الحزب قبل خدمة الدولة حتى ولو تعارضت المصالح. فهل يستفيد ساسة البيجيدي من درس إحدى أعرق الديمقراطيات العالمية ويفهموا أن الوثائق التي هي في ملك الدولة، ولو تضمنت معلومات شخصية هي من أسرار الدولة لا يمكن الولوج إليها أو استعمالها ونشرها إلا بإذن شخصي أو إداري أو قضائي.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

