كثيرة هي الأفلام
الأمريكية
… التي تناقش فكرة أطفال الأنابيب…لكن أن تطرحها السينما
البرتغالية
، فذاك من حسناتها في إطار بحث جديد عن ضخ دماء جديدة في السينما
البرتغالية
بفيلم جديد بعنوان “جليد” 2015.
يقدم الأخوان المخرجين غالفاو تيليس، غونصالو ولويس، على فكرة جميلة من عمق التاريخ الأركيولوجي للعصور الجليدية… الطفلة جوانا/ كاترينا التي تولد في المختبر من adn لجثة من العصر الجليدي… تنمو بعيدا عن
العيون
وتخضع للمراقبة.
يمزج المخرجان بين هذه النظرة الغائرة في عمق التاريخ وبين متطلبات القرن 21 الميلادي… تستمر الطفلة في النمو وتكبر لتصبح شابة تدرس السينما، لتجد نفسها محاصرة بالعديد من الأسئلة من تكون؟ ولم كل هذا الحصار المضروب عليها؟ عماذا تختلف عن الأخرين؟ ومن أي مكان هي قادمة؟ وما علاقتها بالجليج والثلج والماء؟
حرقة الأسئلة تقودها للبحث عن أجوبة عبر علاقة عاطفية مع شاب يدرس معها نفس المادة… من هنا تبدأ رحلة البحث والهرب… بحثا عن الحرية وبحثا عن الخلاص بعيدا عن التجارب الفئرانية التي تخضع لها في كل لحظة.
في الفيلم يجد المتفرج نفسه بين فترات متباينة وهوات سحيقة وبين قفزات غير قابلة للفهم بين خروج جوانا التي تدرس السينما في الجامعة رفقة صديقها في رحلة إلى الغابة ليجدا نفسيهما أمام البحث عن مكان هادئ للعيش. كذلك تجربة جوانا مع الثلج حيث تدخل في حوض حمام مملوء الثلج وكأنها تريد ربطنا بالمشهد الأول في الفيلم بإيجاد جثة تنتمي للعصر الجليدي.
هذا التمازج بين سينما الخيال العلمي والسينما الواقعية يخلق نوعا من الإرباك ومن بعض الأسئلة التي لن يجد المتفرج جوابا مقنعا لها. في احدى المشاهد الجميلة يسأل استاذ مادة السينما ما السينما؟ فيجيب: « السينما هي القصة… هي القصة… هي القصة «. يود المخرجان التوكيد على أن ما يهم في الفيلم هو قصته.. على أنها من نسج المتخيل وبالتالي بدايات الحكي أو نهايته لا تهم..المهم هي القصة المستعرضة على طول104 دقيقة من عمر الفيلم.
الجميل في الفيلم هو قدرة المخرجين الفائقة في خلق مشاهد جميلة ورائعة.. مناظر طبيعية خلابة لا يمكن نسيانها تتوازي مع السرد الفيلمي… يحضر البياض في الفيلم بشكل متعمد حيث يرغب المخرجين ايصال فكرة مفادها أن خلق الانسان صفحة بيضاء وأن الواقع وما نعيشه هو الذي يغير هذا الانسان حتى ولو أخذنا نطفة من العصر الجليدي. ماء الانسان هو ماء الحياة الذي لا يمكن أن يتغير رغم تقادم الأزمنة وأن لغة الحب تسود مهما تغيرت الأزمنة… ينتصر المخرجان للغة الحب والطهرانية وللانسان في نهاية المطاف.
أدت الممثلة الإسبانية ايفانا باكيرو.. دورين .. جوانا/ كاترينا.. في منتهى الروعة وأبانت رغم اختلاف اللغتين وتقاربهما أنها ممثلة من طراز كبير صاحبها في نفس الأداء الممثل
البرتغالي
ذو الشعبية الكبيرة داخل
البرتغال
أفونسو بامنتيل في أدوار رائعة وفي وضعيات درامتيكية مختلفة.
توظف قصة الفيلم انطلاقا من الحوارات بين شخصيات الفيلم.. بين المرجعيات السينمائية وبين أصالة الفكرة ومشروعها بالنزوع نحو أسلوب سينمائي متفرد حيث المتفرج عليه أن يتخيل ويستنبط الكثير من الأشياء بين الحياة والموت وبين الحب والكراهية وبين الواقع والمتخيل.
كل حوارات الفيلم ممتلئة بحساسية مفرطة وبمرجعيات «بيلي ويندر» والعديد من كلاسيكيات السينما لكن قصة الفيلم ملغزة وصعبة وتبعث على الملل من نمط الحكي واختلاط الأزمنة والشخصيات يجعلها صعبة على الفهم والإدراك.
بالنسبة لعنوان الفيلم « جليد « يحضر فقط في بداية الفيلم ونهايته كأنه يحلينا إلى أن الماء أصل كل شيء وأن هذه الحيوات ليست سوى صورا مكررة من الماء.
يظهر لي في ما يشبه الغرابة أن شخصية البطلة في الفيلم تتكلم لغتها حيث الممثلة الاسبانية تتكلم بالاسبانية في حين أن باقي الممثلين يفهمونها ويجيبونها باللغة
البرتغالية
.. المهم أن حبل التواصل موصول.
أجمل ما في الفيلم لقطات الكاميرا المأخوذة باليد وكذلك الموسيقى التصويرية التي تؤسس للغة الحب في تشعباتها الكبرى… حينما تحتل الموسيقى حيزا كبيرا وتعبر على أصالة مشروع سينمائي يبحث عن لغة سردية جديدة وقصة تختلط فيها المشارب السينمائية بمدارسها وتنتصر لقيم الحب والحياة.
سينما الأخوين المخرجين غالفاو تيليس غونصالو ولويس بتجربتهما الطويلة في عوالم السينما يقدمان سينما بطبقات أركيولوجية وبلغة شفافة تبحث في مدارك الإنسان وأوجه الوعي الباطنية لديه… فيلم جدير بالمشاهدة.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

