لماذا الدفاع عن الحكاية الشعبية المغربية ؟ أولا لما لحق السرد الشعبي من ضيم لعدم الاهتمام به و إخراجه تعسفا من دائرة الرسمي المشهود له عن طريق المؤسسات بالأدبية و الجمالية ، و لو كان ذلك مبنيا على أراء و استنتاجات علمية لخضعنا له و قبلناه و لكنه مبني على اعتبارات خارج أدبية تحكم على الملفوظ انطلاقا من المتلفظ لاعتبارات ايديولوجية معروفة ، و إننا لا نفهم لماذا كل هذا التحامل على الأدب و الفنون الشعبية و استثنائها من الدراسات العلمية الجادة و احتشام المؤسسات الجامعية في تبني هذا النوع من الأدب الذي قد يزرع الروح من جديد في الدرس الأدبي و الثقافي الذي طغى عليه الاجترار و التكرار أجيالا عديدة لأن الأدب الشعبي جزء من الثقافة و الهوية و التاريخ بالإضافة إلى إمكاناته الجمالية و الفنية ، و بصفة عامة فإنه لا ينقص شيئا في شيء عما سمي بالأدب الفصيح .. ثانيا لم يتحقق في دراسة التراث الثقافي الوطني التراكم المنشود، فالدراسات التي تناولته على امتداد الوطن محدودة جدا فكان لا بد أن يتجه البعض منا لدراسته و عيا بأهميته كجزء من تراثنا الفكري و الحضاري ، و لكونه من جهة أخرى جزءا من تراث الإنسانية جمعاء ، إنه أساسي لصياغة الهوية المنغرسة في أعماق التاريخ . إن الهوية لا تقوم فقط على الثقافة العالمة و لكن تقوم أيضا على الثقافة الشعبية و على الحكاية بشكل مخصوص، ألم تعتمد فلندا كما تذكر بعض المصادر على مجموعة حكايات الكالافالا في لملمة هويتها و قيام دولتها؟ إننا نحكي بشكل يومي و من هذا الحكي المتواصل الذي نرثه متخللا لأجناس متعددة يتشكل الموروث الثقافي للأمم و يتشكل التاريخ أيضا . فالحكاية كما هو معلوم تخترق كل الأجناس الأخرى ، إنها موجودة في كل مكان و في كل زمان توجد في الأسطورة و الملحمة و في الخرافة و في السيرة و في الكرامة و حتى في القصيدة و في الأغنية و في المواويل الشعبية و في الرواية و في المسرح و في اللوحة و في الإشهار و في ألعاب الحاسوب .. و موضوع مثل الحكاية الشعبية المغربية موضوع مترامي الأطراف خفي الملامح تتناسل قضاياه باستمرار مما جعله قبلة مقاربات متعددة تمتح من حقول معرفية متنوعة مثل علم النفس و علم الاجتماع و التاريخ و النقد الأدبي .. إن الحكاية الشعبية هي عبارة عن نصوص شفهية قريبة منا بشكل حميمي ، نصوص لا زالت تعاني في صمت و ترفض أن تنقرض دون أن ننتبه إليها أليها .. فكم جدة تموت و تحمل معها إلى مثواها الأخير سردا رائعا كان من الممكن استثماره و الاحتفاظ به للأجيال المقبلة على شكل قصص أو روايات أو أفلام مصورة أو العاب فيديو و ما إلى ذلك. و كم شيخ يخطفه الموت من بين أيدينا و نحن لم نسمع بعد صوته المليئة بالحكمة و التجربة و لم ندرك بعد ألغاز كلماته و سروده .. كثيرة هي الأصوات المنبعثة من الماضي و التي لم نستطع أن نختزنها في ذاكرتنا المتعبة .. هذه السرود التي تموت و هذه الحكايات التي تفنى أليس علينا مسؤولية الحفاظ عليها لأنها جزء منا و من تاريخنا .. و لعل الشيء الذي لا شك فيه أن الانتشار السردي للحكاية الشعبية المغربية يتقلص باستمرار بحكم ظروف متعددة فالناس لم يعودوا يقبلوا على هذا النمط من السرد و المتلقي لم يعد يطلب الاستماع لهذه الحكايات التي كانت تؤنس ليالينا و تربي أطفالنا و تقوي روابطنا الاجتماعية و الأسرية و تغني مخيلتنا .. و مع ذلك لا زال الراوي الشعبي يختزن في ذاكرته هذه الحكايات هذه الحكايات كالجمر تحت الرماد الذي قد يخنقه و يأتي عليه بفعل الزمن و الإهمال . هذا هو الهاجس الذي انطلق منه كتاب دفاعا عن الحكاية الشعبية المغربية و هو يحاول إعادة الاعتبار لهذا المكون التراثي الوطني ، و قد أهملته المؤسسة الجامعية لما يتيح لنا من إمكانات و طاقات مهمة اذا نحن فكرنا في استثمار سروده في مجال الرواية و الشعر أو في استثمار صوره و رموزه في الإشهار و السينما و المسرح و العاب الحاسوب بعيدا عن التوجهات الفولكلورية الظرفية و الموسمية السريعة. و حتى نحيط بموضوع مثل الحكاية الشعبية يفضل التعامل مع نصوص شفهية مأخوذة مباشرة من أفواه الرواة حتى نحافظ على تراثنا و نوفر للدارسين من بعدنا الذين اختاروا السير في هذا الدرب .. و يرجع الفضل في ذلك إلى كل الذين سبقوا في الاهتمام بالموضوع سواء كانوا عربا أو أجانب دون أن ننسى أولائك الرواة والراويات .. و لعل السؤال الذي نعالجه اليوم يمكن اختزاله فيما يلي: هل أدركنا الآن القيمة التي لحكايتنا الشعبية سواء من الناحية الاجتماعية و النفسية و التربوية و التخييلية و الفنية؟ هل استطعنا أن ندرك القيمة الحقيقية أم لم نع شيئا في إطار انتظار سياسة ثقافية و تربوية واضحة اتجاه التراث الشعبي بشكل عام ..
المصدر: محمد فخرالدين نشر في أخبار بلادي

