قال تعإلى : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾(سورة البقرة)
… يتحدث ابن منظور المصري عن المفهوم اللغوي للخلافة بقوله: «خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ صَارَ خَلْفَهُ… وَالخَلِيفةُ الَّذِي يُسْتَخْلَفُ مِمَّنْ قَبْلَهُ، وَالْخِلافَةُ الإِمَارَةُ»)).
…ونجد من تعاريفها الاصطلاحية وفق أهل السنة والجماعة …((… بأنها خلافة رسول لله صلى الله عليه وسلّم في حراسة الدين وسياسة الدنيا…)).
..وقال علي عبد الرزاق الخلافة ترادف الإمامة وهي «رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى لله عليه مسلم ، والإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول صلى لله عليه وسلم في إقامة القوانين الشرعية وحفظ حوزة الملة على وجه يجب اتباعه على كافة الملة».
بعد وفاة الرسول الكريم (ص) تولى الأمر الخليفة أبو بكر الصديق الذي سمي خليفة رسول لله … لإدارة شؤون الدولة الحديثة النشأة، وضمان استمرارها وتقويتها… وبعد وفاته وتولي سيدنا عمر الحكم، اقترح أن ينادى بأمير المؤمنين، عوض تسميته بخليفة خليفة رسول لله.. وبعد ذلك وإلى حدود اليوم، فالحكام والساسة المتنفذون يتدبرون الأسماء حسب خلفياتهم المذهبية وطموحهم ومنهجهم في الحكم من أمير المؤمنين إلى «الخليفة» إلى الأمير أو السلطان أو الملك أو الرئيس أو الولي الفقيه….
واعتبارا إلى أن المفترض شرعا وعقلا في أنظمة الحكم لخدمة وإدارة أمور وقضايا ومصالح الشعب بكل فئاته وطبقاته ان يكون الحاكم عادلا وديموقراطيا.. ويجب أن يتميز بتمثيليته لكل أفراد المجتمع / الدولة كانوا معه أو من المخالفين له أو المعارضين …بغض النظر عن العقيدة والمذهب والمرجعيات الفكرية والثقافية ويجب أن يكون محافظا على ما يجمع ويوحد في احترام لخصوصيات وثوابت الآخرين داخل البلد و خارجه نظرا لتقاطع المصالح وتكامل المنافع وضرورة التحالفات والمعاهدات …ذلك لأن حكمة لله جعلت خلقه متنوعين ومتعددين ومختلفين وتركت لهم حرية اختيار ما يرونه محققا لمصالحهم المادية والروحية سواء وعيا وإدراكا أو اتباعا وتقليدا غير واع…
قال تعالى ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) سورة الحجرات
….ومن هنا نطرح مسألة إن قوله تعالى «قال إني جاعل في الأرض خليفة….» ليس ما يحاول البعض أن يبني عليه تسلطه وتحكمه بعلة أنه «خليفة» بتفسير تعسفي بأنه «خليفة الله في الأرض» له أن يقرر في كل أمور الخاصة والأفراد والعامة وكل شعوب العالم فيفتي وفق هواه ويكفر بمزاجه كل مخالف له حتى في الرأي.. ويوظف كل الطرق والسبل ليتحكم في عباد لله ويستبيح لنفسه ما حرمه لله ومنعه بالمطلق من اعتماد الاستبداد والإكراه والسبي والقتل من أجل ادعاء مزعوم وغاية مكذوبة أي تنزيل حكم الله وإرادته في الناس كافة..لدرجة أن البعض من أمثال هؤلاء في الكثير من العصور حتى قبل الإسلام يجعلون أنفسهم المصدر الأول في فهم الدين والإطار المحدد للتأويل بل وإنهم أولى بالاتباع من الأنبياء …والأخطر أنهم يعتبرون أنفسهم الأحق بالخضوع التام أكثر من الخالق بالزامية تنفيذ أوامرهم وفتاويهم ضدا على روح النصوص القطعية ومقاصدها السامية…إن لله أرسل الأنبياء رحمة للعالمين….ولم يرسلهم لا لعانين ولاقتلة ولا متجبرين ولا ظلمة …أما الحكام بكل أصنافهم ومسمياتهم عبر التاريخ فهم يصنفون بناء على سياساتهم وقراراتهم وأفعالهم وخاصة علاقتهم بالمحكومين وبالأخص الضعفاء والكادحين والعاملين…
إن الإسلام دين للإنسانية كلها يخاطب القلوب والعقول ويؤطر الأنفس والجوارح ويضبط إيقاعهما في علاقة بالأعمال على أسس العدل والحرية والكرامة.. وكلما تعمق الإنسان في مكنونات وجواهر الدين بكل وعي وتبصر وعمق إدراكه إلا وارتقى سلالم الإنسانية النبيلة المتحضرة المتسمة بالشفافية التي لالبس فيها ولا غموض ولاغدر ولامكر ولاكيد ولا استغلال للسلطة بالدين ولا استغلال الدين بالسلطة ولا استغلالهما معا بالمال والجاه من اجل التحكم المطلق الذي يشدد الخناق على النخب والناس على حد سواء…
إن الإسلام الموجه للناس كافة، والمجسد في كل الرسالات والكتب والصحف السماوية الصحيحة، مدني بغاياته ووسائل عمله، وديموقراطي بعدالته التي تتجسد في كل ما له علاقة بالبشرية حكما وسياسة وعدلا واقتصادا وتعلما وتنظيما.. إنه الذي يبني ويقوي مبدأ دولة المواطنة التي تمتد أثارها وفلسفتها إلى مستويات المكان أنى كان الإنسان ووجد وكيفما كانت العقيدة والمذهب والجنس واللون..
وانطلاقا من هذه الأرضية العامة، نورد بعض المقتضيات الدستورية من الإطار المدني التشريعي الذي يتجدد ويتطور تاريخيا، إما بفعل تجدد فهم الدولة وحاجاتها لتطوير منظومات الحكم حسب مرجعيات المخططين الرسميين وتجاوبهم مع النخب والشعب.. وإما بفعل مطالب سياسية واجتماعية على شكل مذكرات أو حراك جماهيري شعبي أو نضال نقابي مطلبي أو …
إن دستور 2011 الذي ميز المغرب عن غيره من دول العالم العربي والإسلامي الذي تجاوب إلى حد متوافق عليه من طرف القوى الحية ..بعد ربيع ديموقراطي، وضع أجوبة عملية واضحة تجاه جملة من القضايا المرتبطة بنظام الحكم وفصل السلط والحقوق والحريات والهيئات المؤطرة للمجتمع من نقابات وأحزاب ومؤسسات… وما يهمنا هنا هو فلسفة فصل السلط ومنهجية تصريف مواد الدستور وتنزيلها بما يحترم إرادة الشعب ويحترم مصداقية قرارات الدولة والتزاماتها وتعاقدها ..وسنورد هنا المواد التالية من الدستور المغربي للوقوف على الحدود التي تضبط المشترك بين الشعب والذي لايجوز أن تمتد إليه أي سياسة لتوظيفه لأغراض تحكمية أو إقصائية، وهذا له علاقة بالباب الثالث من الدستور الذي جاء فيه الملكية / حيث ينص البند 41 منه «الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.»
«يرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه».
«ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا، في شأن المسائل المحالة إليه، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة.
تحدد اختصاصات المجلس وتأليفه وكيفيات سيره بظهير.»
«يمارس الملك الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا، بمقتضى هذا الفصل، بواسطة ظهائر».
كما أن الفصل 42 يعرف الملك بأنه…» الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.»
إن القراءة المتأنية لهذه المقتضيات، ترفع كل لبس أو غموض، وتحدد الجهة الوحيدة المخول إليها دستوريا وشرعا – وفقا لإرادة الأمة – مسؤولية الشأن الديني انطلاقا من أن ملك المغرب هو أمير للمؤمنين الذي له سلطة تدبير ورعاية وحماية الملة والدين وكل الشؤون ذات الصلة بالشأن الديني بمؤسسات يحدد الدستور صفتها ومهامها الكبرى …
فكيف سيصبح واقعنا السياسي في بعض تمظهراته عندما يتداخل الشأن السياسي مع الشأن الديني بشكل يوحي بأن هناك شبه انفصام في فهم الدستور وروح الشريعة ؟ وكيف يمكن للأمور أن تستقيم وتتطور إيجابا حتى تؤدي كل مؤسسة دورها كاملا بما يحقق للشعب الأمن والأمان والاستقرار والحرية؟
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

