“من ليبيا يأتينا الجديد” المؤرخ هيرودوت أطاحت بصنم عمر عقودا من الزمن دون أن ترى فيها ليبيا نور الحياة العادية، تغيرت الأمور و فاحت رائحة الحرية فيها و بدأ معها عصر جديد. من يزور ليبيا يخيل إليه ان الحياة في سبات و أن الثوار ملوا أعباء الثورة و معاناتها، على العكس من ذلك فالحياة مليئة بالحيوية و النشاط و الثوار مستعدون للقيام بثورة جديدة إذا ما تمت إعادة التجربة القذافية. ليبيا مهد الحضارة العريقة الأرض تتحدث أمازيغيتها، الحضارة الأمازيغية تفوح في كل بقاعها، قصور و مآثر تحمل في طياتها دلالة أمازيغية، هكذا يشهد التاريخ، الأرض تتكلم الأمازيغية شاء من شاء. يكفي أن تقوم بجولة في أغلبية المدن الليبية : وازن، نالوت، تيغت، كاباو، نالوت، يفرن، تيمزين، زوارة…تجد نفسك أمام معالم، أمام قصور “إغسرا” بالأمازيغية الليبية، قصور تشهد أن الانسان الأمازيغي رجل حضارة ضاربة في القرون الغابرة، و للاشارة فمعظم هذه القصور تعود إلى قرون ما قبل الميلاد و تتضمن نظام تخزين يصطلح عليه “تيمدلين” أي مكان لتخزين الغذاء، و هو أول نظام بنكي لدى الأمازيغ. أكبر حرف أمازيغي في العالم بقلعة الجهاد، بأدرار نفوسة بمدينة نالوت، يتواجد أكبر حرف أمازيغي، “ياز”، مصنوع من الحديد و مصبوغ بألوان الهوية، يبلغ طوله حوالي سبعة أمتار، و عرضه خمسة أمتار، استغرقت صناعته و تهييئه 15 يوما. شيء عجيب أن يظهر حرف تيفناغ العريق بمجرد إسقاط نظام القدافي الذي حاول نفي صفة الأمازيغية عن ليبيا و جند ما في جعبته من أجل القضاء على الأحرار و إبادتهم، لكن هيهات كل هذه المخططات الفاشلة انكسرت فوق عزيمة الأحرار. علم الهوية في كل مكان الحلم أصبح حقيقة اليوم، “انفجرت” الأمازيغية في كل مكان، في الشمال و الجنوب، في الشرق و الغرب، بجانب البحر و في الصحراء ترى أعلام الهوية ترفرف في السماء، في واجهات المحلات، في السيارات حتى يخيل إليك أن الثورة تمت من أجل هذا الغرض، طبعا فأول من عانى الويلات من النظام الغاشم والديكتاتوري هم الأمازيغ الذين قال في حقهم القذافي يوما ” عندما ترضع الأم الأمازيغية ابنها فهي ترضع له السم” ، صراحة تراكم هذا السم بفعل القمع و الاضطهاد لمدة عقود و أطاح بملك ملوك افريقيا شر إطاحة. كم كان الليبيون يحلمون أن يعترف النظام السابق بأمازيغيتهم؟ كم كان الليبيون يعانون جراء الضغط الذي كان يمارسه بلطجية القذافي؟ كم كانوا ممنوعين من تسمية أبنائهم بالأسماء التي يريدونها؟ بعد الثورة خرجت الأمازيغية خروج ثوارها و لم تتوانى أيام حتى “تمزغت” الدنيا و عادت مقولة هيرودوت إلى الواجهة “من ليبيا يأتينا الجديد”. تيفناغ …و العودة القوية بمجرد الدخول إلى الأراضي الليبية، استرعى انتباهي شيء غريب، لم نعهده في عهد القدافي، حروف تيفناغ تملأ الحياة، في الجدران ، في واجهة المحلات، على الأبواب، في السيارات…يخيل إلي أنها كانت هنا في أيام الطاغية. صراحة لم أكن أتوقع أن تنقلب ليبيا بين عشية و ضحاها إلى عهد جديد حامل لكل معاني تيموزغا و القيم الانسانية.
المصدر: حسن أبراهيم نشر في أخبار الجنوب

