إطلاق طاقات الحياة قراءات في علم النفس الإيجابي بقلم محمد مستقيم صدر للباحث والمفكر اللبناني الدكتور مصطفى حجازي كتاب جديد عن دار التنوير ببيروت تحت عنوان:”إطلاق طاقات الحياة: قراءات في علم النفس الإيجابي”. في مقدمة الكتاب يطلق المؤلف دعوة إلى الفاعلين في الثقافة والعلوم الإنسانية إلى أجرأة النظريات العلمية الغربية خاصة في مجال علم النفس حتى تصبح في خدمة الإنسان العربي عوض الاكتفاء بالترويج النظري لتلك العلوم، مع الوعي بحدودها مادامت قد نشأت في تربة مختلفة عن تربتنا. إن مهمة الباحث والعالم اليوم هي توظيف تلك المعارف لفهم خصائص إنساننا التي تكونت عبر تاريخ طويل من الفعل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي لتصبح قادرة على خدمة قضايا إنمائنا. كما يعتبر المؤلف بأن هذا الكتاب هو امتداد لعملين سابقين هما :”سيكولوجيا الإنسان المقهور” و” سيكولوجيا الإنسان المهدور” ، حيث حاول فيهما الوقوف عند معوقات التنمية الذاتية والجماعية. يعرف المؤلف علم النفس الإيجابي بأنه فرع جديد من فروع علم النفس لازال في بدايته التي لم تتعد عشرين سنة (ظهر في سنة 1998 على يد مارتن سليغمان رئيس الرابطة الأمريكية لعلم النفس الإنساني)، ويسعى هذا العلم إلى اكتشاف الإيجابيات وأوجه الاقتدار وتنمية الإمكانات لدى الفرد والجماعة، وقد نشأ كرد على المبالغة في التركيز على أوجه الاضطرابات النفسية والعقلية خاصة في علم النفس المرضي الذي حول علم النفس عموما في أذهان الناس إلى مرادف لماهوغير طبيعي وغير سوي، مع تجاهل أوجه القوة والعافية وطاقات النماء والانطلاق. إن الأطروحة المركزية لهذا العلم هي أنه في مقابل أوجه الاضطراب والقصور والتشاؤم واليأس لدى الإنسان، هناك أوجه للصحة والقدرة والتفاؤل والأمل الصانع للمصير، فعلاج الاضطراب لايكفي لأنه يحتاج إلى تنمية طاقات الإنسان وفتحها بل تفعيلها أمام الإيجابيات. يتكون الكتاب من ثمانية فصول تسعى إلى تقديم قراءات في علم النفس الإيجابي قصد الاستفادة من معطياته ومحاولة توظيفها في مشروع إطلاق طاقات إنساننا وإمكاناته. هكذا يستعرض الفصل الأول الأسس التي قام عليها العلم الجديد ومختلف منطلقاته وتوجهاته ومجالات اهتماماته الراهنة. وبما أن هذا العلم قد نشأ في أمريكا أي في تربة حققت فيها المجتمع الكثير من الأساسيات التي توفر سعادة الإنسان وازدهاره اجتماعي واقتصاديا، فقد خصص المؤلف الفصل الثاني لإطلاق طاقات الإنسان العربي التي تعرضت للهدر والقمع سواء عند الكبار أو عند الشباب حيث السلطة في المجتمع لازالت استبدادية ولاتهتم بنوعية الإنتاج وقدرته التنافسية كما هو الأمر في الدول المتقدمة وهذا ماجعل المؤلف يعتبر بأن الغايات الأساسية لعلم النفس الإيجابي هو إطلاق تلك الطاقات من عقالها. يبحث الفصل الثالث في مقومات علم النفس الإيجابي باعتباره تفكيرا قادرا على إيجاد الحلول وفتح السبل في مقابل التفكير السلبي الذي ينشأ عن الانسداد والعطالة والاستكانة، وينطبق ذلك على الأفراد والجماعات ، كما يدعو المؤلف في هذا الفصل إلى الحذر من أخطار الاستسلام لهذا النوع من التفكير الذي يسيطر بسهولة على وعي الإنسان طاسا بذلك ماتتضمنه القضايا والوقائع من إمكانيات إيجابية. الفصل الرابع خصصه المؤلف للبحث في التفاؤل والأمل الفاعل، انطلاقا من تعريف التفاؤل وتحويله من بحث الطبع المتفائل إلى عرض أسلوب التفسير المتفائل ومقوماته وصولا إلى التدريب على التفاؤل، هذه العملية الأخيرة تتم من خلال برامج معروفة تتصدى لنزعة التشاؤم المنتشرة في مجتمعاتنا، لذلك يكون التفاؤل هو سبيل النهوض إلى العمل. يعالج الفصل الخامس موضوع الدافعية الجوانية الأصيلة في مقابل الدافعية البرانية التي تدفع الإنسان إلى التحرك والنشاط بتحفيز القوى الخارجية، أما الدافعية الجوانية فهي عبارة عن نزوع داخلي إلى الانخراط في مهمات تشكل تحديا كبيرا لتحقيق أهداف محددة،ويحلل الفصل القضايا التي تطرحها هده الدافعية وتدرجها وشروط تنميتها. أما موضوع الفصل السادس فهو التلازم بين الاقتدار الإنساني وإطلاق الطاقات الحية وتفعيلها، وهذا التفاعل هو شرط ملزم للإمساك بزمام المصير والقدرة على صناعته، وتكمن أهمية الاقتدار في الحاجة إلى التمرد على العجز الذي فرضته الأنظمة الاستبدادية على الإنسان العربي من أجل ضمان استمرار سلطتها واستحواذها على البلاد والعباد. ويعالج الفصل السابع إشكالية القيادة من منظور علم النفس الإيجابي ويقصد بها القيادة التحويلية التي تنمي الإدارة عن طريق تدريب المديرين وإدارة الأنشطة الشبابية، مستعرضا التحول من الرئاسة إلى القيادة التحويلية عبر إطلاق الفاعلية الذاتية والجماعية مما يضمن التنمية المستدامة للمؤسسات والمجتمع. أما الفصل الثامن فيحلل الانفعالات الإيجابية وتلازمها مع التفكير الإيجابي والتي تكون بدروها قابلة لتدريب مما ينعكس إيجابا على الصحة الجسدية والنفسية إضافة إلى بناء مقومات الفاعلية والاقتدار. عموما فإن هذا العمل الرائد يسعى إلى نفض الغبار قصد الخروج من التاريخ الراكض نحو الضوء وصناعة التاريخ الحي الذي يحدد المصير ويحقق إنسانية الإنسان.إن النظرة الإيجابية للذات وللعالم أصبحت شيئا مطلوبا من أجل استعادة الثقة في النفس الفردية والجماعية قصد استدارك مافات من تأخر وركوض طال جميع مناحي الحياة اقتصاديا واجتماعية وثقافيا خاصة مع طلائع الربيع العربي الذي سيساهم حتما في تحريك هذا الاستدراك وبناء الذات من أجل الانطلاق في عصر التنوير العربي المأمول.
المصدر: najah نشر في الشرق المغربية

