حينما يخرج الناس إلى الشوارع والأماكن العمومية تستوقفهم ظاهرة امرأة يحاصرها شاب.. يوقفها في الطريق.. يلقي في وجهها بكلام نابي.. كلام موح بالشهوة وبالرغبة في الجنس.. تحاول الفتاة أن تتفاداه وأن تتملص منه، لكن الشاب يمعن في محاصرتها.. كل ذلك يتم على مرأى ومسمع من الناس إن لم نقل بمباركة من المجتمع.. هذا الأخير عندما يشاهد هذا المنظر يبقى على سلبيته ولا يتدخل وكأن هذا الفتى إنما يمارس حقا طبيعيا حين يعبر عن شهوته ورغبته ورجولته وشبقه.
هذا الموقف أو المنظر برمته طارئ على الثقافة الإسلامية والمغربية، فالمجتمع كان دائما يتدخل في هذه الحالات لإبداء عدم رضاه، لكن حينما يبتسم المجتمع فإنه يفتح الأبواب مشرعة لتنامي هذا السلوك. هذا السلوك هو التحرش الجنسي الذي أصبح الآن مشاعا بحكم ضآلة ما كان يمنع انتشاره من الحياء ومن عدم جرأة المرء على أن يمارس هذا الفعل جهارا نهارا أمام الناس. في الأصل يوجد المعنى التحرش من حيث هو كلمة ينتمي إلى المعجم العربي بمعنى آخر، فالعرب تقول (حرش الضب وتحرش به وحرشه) بمعنى أن الضب قد يكون في جحره فيلجأ صائده إلى إحداث حركة وحفيف عند بابه فيسمع الضب ذلك الحفيف فيظن أن حيوانا صغيرا يريد أن يدخل عليه فيخرج الضب مقدما ذيله للعراك فيأخذه صائده بيسر وسهوله. فهذا فعل عبرت عليه العربية بفعل (حرش وتحرشه وتحرش به) والفعل الآن واضح أنه نوع من الاصطياد ولكن بأسلوب فيه نوع من المكر والخداع، واستعمل هذا الفعل في لغة الفقهاء بمعنى آخر يوشك أن يكون مقابلا وهو معنى التحريض والتوجيه لذلك كان الفقهاء يتحدثون عن (التحريش بين الحيوانات والديكة) وهذا ما كان يفعله الناس قديما ويفعله البعض حاليا في بعض الجهات أي يقومون بمواجهة بين الديكة فتقاتل بعضها والمنتصر هو الرابح، وقد بين الفقه الإسلامي موقفه وبين أنه فعل محرم لا يجوز لأن فيه تعذيبا للحيوان، ومنذ القديم غابت هذه الأفعال ولم تعد موجودة في الساحة أو في المجالات التي تعيش فيها الشعوب الاسلامية. هذا على العموم أصل المادة واستعمالاتها، لكن التحرش الآن أصبح خاصا باستدعاء طرف آخر إلى الجنس والفاحشة عموما، وقد عبر القرآن عن مثل هذا السلوك بفعل آخر هو المراودة وفيها معنى تليين الإرادة والاجتذاب إلى شيء معين (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه) فهي راودته بمعنى تحرشت به واستدعته إلى الفاحشة، فكأن المراودة هي فعل التحرش مع بيان أن هناك فرقا في التصور الديني والمدني. فهل التحرش بالمعنى العام حاليا هو مجرد دخول إنسان في حياة آخر وفرض نفسه عليه ودعوته إلى الفاحشة والجنس أم أنه لا يكون تحرشا إلا إذا صاحبه رفض من الطرف الآخر، أي في حالة ما إذا وقع قبول ورضا لا يسمى تحرشا أم أن التحرش من لوازمه استعمال القوة والعنف والصخب وفرض الإرادة. التحرش في المفهوم الإسلامي التحرش بمفهومه الإسلامي يتم قبل هذا، فحينما يتجاوز الإنسان حدوده رجلا كان أو امرأة ويتحرش بالآخر سواء قًبل الآخر أو لم يقبل، سواء استعمل العنف أم لم يستعمل، فذلك هو التحرش بالمفهوم الديني وتلك هي المراودة المذكورة في القرآن والسنة. في هذه الحالات يأخذ الإسلام بأسلوب منع وسد الذرائع وإعطاء الوسائل حكم الغايات، فكل فعل مآله ونهايته أن يؤدي إلى زنا فهو حرام بالتأكيد، وذلك من باب أن الوسائل تعطى حكم الغايات وما أدى إلى شيء أعطي حكمه، ولذلك يستعمل الناس أشياء يسميها الفقهاء مقدمات الزنى، ورغم ظن الناس قد لا يبالون بهذا إلا أن القرآن اهتم به من خلال نصوص واضحة تدعو الإنسان لأن يغض بصره، ورغم أن البصر ليس هو الزنا ولا يبلغ مبلغ التحرش والإيذاء باللسان ومع ذلك فالإنسان بموجب القرآن عليه أن يغض بصره ويحفظ فرجه. فالعلاقة واضحة بين غض البصر وحفظ الفرج، لأنه إذا لم يكن غض يمتنع غالبا حفظ الفرج وكأن الأول يؤدي إلى الثاني. فهذه المقدمات يشملها هذا الحكم، رسول الله يقول “العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا”، فهذه كلها وسائل وأدوات تستعمل في التمهيد، وبالتالي من المستحيل أن نتكلم عن الظاهرة بعد أن تتغلغل وتصبح واقعا ثم بعد ذلك نحاول أن نمنعها. وقبل هذا وذاك هناك القلب الذي ينبغي أن يربى على أساس التعفف وعلى أساس أن الرجل حينما يطلب امرأة أو المرأة حينما يقترن بها رجل إنما يقترنان في حالة العقد الشرعي ليس إلا. الظاهرة تتجاوز الشباب هذه الظاهرة لم تعد لصيقة بالشباب والمراهقين على اعتبار أن لهم جرأة وقدرة على تجاوز المجتمع فيفعلون ذلك بمرأى ومسمع فتنصب الأنظار إليهم، فالذين يفعلون هذا التحرش من الكبار قد يكونون بعدد الشباب أو أكثر لكنهم يفعلون ذلك في ظروف أخرى. وهناك أناس يبدو أنهم كبار في أعمارهم وفي مواقعهم ولا يكفون عن مضايقة النساء في أماكن العمل والإدارات والبيوت، وهؤلاء لهم وسائل أكبر من الصغار، فقد يستعملون المال والسيارات والشقق المجهزة لإغراء الفتيات، بالإضافة إلى أن هنالك أشخاصا لهم سلطة على النساء كأن يكون الفرد مسؤولا إداريا فيسلط هذا الفعل على من تحت سلطته من النساء ما قد يدفعهن إلى الفرار أو الاستقالة أو إلى الاستجابة. كل ذلك لا يفعله أحد وهو يعتقد أنه يطيع الله بذلك، فالجميع يعرف أن هذا الفعل منقصة ومجلبة للعار، ويحاولون أن لا يطلع عليهم أقرباؤهم وأبناؤهم وزوجاتهم ومعارفهم، لذلك فهم يتجملون. هذا الفعل أصبح عالميا عندما يتورط فيه كبار المسؤولين في العالم و بعض الأشخاص الذين يتحملون مسؤوليات عالمية ودولية ويتحرشون بالخادمات في الفنادق. لقد أصبح وباء عالميا إذا لم يتم مقاربته أخلاقيا وتربويا فإنه من العسر أن يلغى من حياة الناس إلا إذا استطعنا أن نقنعهم بأن الذين يقدمون عليه معصية من المعاصي. المرأة عقل وفكر هذا التحرش يتناوله القرآن تناولا موضوعيا عاما فهو فعل قد يكون مشتركا، والى جانب تحرش الرجال بالنساء تناول القرآن تحرش النساء بالرجال “وراودته التي هو في بيتها” لأنها هي أيضا ملكت من القدرة والتمكن والسلطة ما جعلها تتحرش بفتاها. والتحرش من قبل الرجال هو الأغلب لأن الاندفاع نحو الجنس يكون من الرجال أكثر، ولكن القرآن دائما يحيط بالظاهرة ويعالجها ككل وسواء صدرت عن أي طرف فهي شيء منبوذ ينبغي مواجهته بالتربية وإشاعة لغة نظيفة عفيفة في شوارعنا. فالأصل أولا اختيار اللغة والله تعالى قال (ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) وهذا فيه تحذير للمرأة وفيه بيان أنه قد يكون من حولها فيه مرض فيتصور أن مجرد الكلمة التي لها مساق أو معنى من المعاني ربما هي استدعاء فيتمسك بها لذلك ينبغي أن تكون اللغة واضحة قاصدة نظيفة. ماذا يريد الإسلام من الرجل وهو ينظر إلى المرأة؟ يريد منه أن يعرف أن المرأة إنسان وأنها عقل وفكر وأن بإمكانها أن تسهم في المجتمع. المرأة ليست جسدا أو شهوة، وحينما ينحط الإنسان تنحط لغته وسلوكه، حينها لا يرى الرجل في المرأة إلا أنها وليمة فراش ولا يتصرف إلا على هذا النحو. في النساء الآن مفكرات وخبيرات وطبيبات، ماذا يفيدك من جسد الطبيبة المختصة إلا أنها تستطيع أن تزيل عنك المرض؟ إن كفاءات النساء تخفى دائما بهذه الواجهة الجنسية التي يريد بعض الرجال أن يغطي بها كل شيء. دعنا ننظر إلى المرأة على أنها امرأة وفكر، وهذا الذي ينادي به الإسلام وهذا الذي يلغي التحرش ويجعل العلاقة بين المرأة والرجل علاقة نظيفة سليمة، تشعر فيها المرأة أنها تسهم لا أنها تضايق وتحرج.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

