قدم جلالة الملك محمد السادس، في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب، ما يمكن اعتباره ضمانة من أعلى سلطة في البلاد من أجل انتقال الممارسة السياسية إلى مرحلة جديدة، قوامها الجدية والنزاهة والنظافة، بما يعطي للعمل السياسي ما يستحقه من نبل ومصداقية.
وبهذا، تصبح الأمور أكثر وضوحا، وتكون جميع الأطراف مطالبة بأداء أدوارها الدستورية على الوجه الأكمل، من باب تحمل المسؤولية كاملة، والقطع مع كل الممارسات السلبية. لا ديمقراطية دون ديمقراطيين، مقولة أصبحت مكرسة في الدلالة على الترابط الإلزامي بين المطلب والشرط، كمعادلة لا غنى عنها في إقرار الديمقراطية. وبما أن الطريق إلى بلورة الديمقراطية يمر بالضرورة عبر الانتخابات، فمن المفروض أن ترقى العملية الانتخابية، بجميع الأطراف المنخرطة فيها والمؤطرة والمصاحبة لها، من مرشحين، وناخبين، وجهاز إداري، ووسائل إعلام، إلى أفضل درجة ممكنة من الجودة والاكتمال. فبعد أن اكتسب دستور2011 مشروعيته بمصادقة الشعب عليه، وأصبح وثيقة ملزمة للجميع، باعتباره القانون الأسمى للدولة، لم يعد لأي طرف مجال للتهرب من المسؤولية، أو الاختباء تحت أي مظلة. من هذا المنطلق، دعا الخطاب الملكي إلى عدم حصر الهدف المركزي والرهان الحقيقي المطلوب كسبه في المرحلة السياسية الحالية، في اعتبار الانتخابات المقبلة مجرد تنافس حزبي، ولو أنه مشروع، للفوز بأكبر عدد من المقاعد، بل أن يكون الهدف هو الارتقاء بهذه الانتخابات إلى مستوى معركة وطنية نوعية، حول اختيار أفضل البرامج، والنخب ذات الكفاءة، لتحقيق انطلاقة جيدة لتنزيل الدستور، ولإعطاء دفعة قوية للتحول السياسي، الذي يعرفه المغرب. وبذلك يضع هذا التشخيص الملكي مجموع الفاعلين السياسيين أمام مسؤولياتهم التاريخية، القاضية بوضع المصالح العليا للأمة فوق كل اعتبار. إن الطريق إلى هذا المسعى الضروري من أجل تحقيق النقلة النوعية المطلوبة في الممارسة السياسية، يفرض، كما ورد في الخطاب الملكي، الوقوف بحزم في وجه كل التجاوزات، ومحاربة استعمال المال، وشراء الأصوات، والتزام الإدارة الحياد الإيجابي، وأداء الإعلام لدوره البناء في المواكبة. ودون إغفال أو إسقاط أي من العوامل الأخرى المطلوبة لكسب المعركة، من إدارة ملتزمة بوظيفتها، وتمويل شفاف، وقوانين انتخابية ملائمة، وتوزيع عادل للحصص في الإعلام العمومي، ومواطن فاعل ومتفاعل، فإن القسط الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق التشكيلات الحزبية، بالنظر إلى دورها المركزي في كل الأنظمة والتجارب الديمقراطية المكرسة في العالم. إن الدستور وثيقة، يجد فيها مجموعة من الناس ذواتهم، على أساس توافق بينهم، في إطار حل وسط، يأخذ انطباعات كل الأطياف السياسية. ويشكل دستور 2011 خطوة مهمة نحو ترسيخ الديمقراطية، لكن المعركة الحقيقية تتطلب دخول الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية في معارك حقيقية لتثبيت الديمقراطية وفرضها، من أجل القطع مع الوضع غير الصحي، الذي يفترض أن يكون الجميع بات مدركا لعواقبه، وبذلك تصبح “نعم” للدستور بمثابة نقطة الانطلاق، على طريق بناء مغرب حديث، من خلال جهود مكثفة ومندمجة، وبواسطة مؤسسات فاعلة وذات مصداقية، تشكل قوة دفع للديمقراطية، ورافعة للتنمية في جميع أبعادها، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما أن الديمقراطية درس متواصل، في أفق التطوير المستمر.
المصدر: الوجدية نشر في الوجدية

