لم تُبشّر عودة بوعلام صنصال بقدوم ربيع جديد في العلاقة بين فرنسا والجزائر. فرغم خطوة الإفراج عنه، لم يظهر أي مؤشرات تدل على دينامية إيجابية بين باريس والجزائر.
وكشفت متابعة محاكمة الصحافي كريستوف غليز، المعتقل في الجزائر بتهمة الارتباط بجهة إرهابية، عن عمق الأزمة التي تُهيمن على هذه العلاقة. فقد أيدت المحكمة الحكم بالسجن سبع سنوات، حيث طالبت النيابة العامة بعقوبة أشد تصل إلى عشر سنوات، مما لا يعد بأي حال من الأحوال إشارة للتهدئة أو توقع بتحسن العلاقات في القريب العاجل.
قد يجادل المتفائلون بأن النظام الجزائري يُفضّل أن يسير المسار القضائي حتى نهايته قبل أن يتدخل الرئيس عبد المجيد تبون لإصدار عفو لأسباب إنسانية. لكن هذا الاحتمال، رغم جاذبيته، يبدو ضعيفًا. كما يُقال في المثل المغربي: “إلى كان المطر جاي، يبان غيمو”. ومع الأجواء المتوترة بين الجزائر وباريس، يُتوقع المزيد من العواصف بدلاً من الانفراج.
تفسير حالة الجمود: عوامل مؤثرة
كيف يمكن تفسير حالة الجمود التي تطبع الأزمة بين فرنسا والجزائر، رغم بوادر التهدئة من الجانبين؟ من الواضح أن العلاقات كانت متعثرة منذ الإفراج عن بوعلام صنصال. فقد كانت هناك خطة لعقد قمة بين ماكرون وتبون على هامش قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا، بالإضافة إلى زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر، لكن لا القمة انعقدت ولا الزيارة تمت، مما أثار تساؤلات عديدة حول أسباب هذا التعطل.
يمكن فهم هذا المأزق على مستويين: الأول سطحي، والثاني أعمق. يتعلق الأول بموقف بوعلام صنصال بعد الإفراج عنه واستقراره في باريس. ورغم تصريحاته التي تُظهر بعض التقييد في ما يمكنه قوله، إلا أنه انتقد بوضوح بعض المواقف التي أثارت حفيظة القيادة الجزائرية، خصوصًا ما يتعلق برؤية بعض المناطق الغربية من الجزائر كجزء من التاريخ المغربي. ويبدو أن هناك توقعات من النظام الجزائري بأن يلتزم صنصال الصمت ويتجنب التصريحات الاستفزازية.
أما المستوى الثاني من خيبة الأمل الجزائرية فيعود إلى الطلبات المتكررة التي قوبلت بالإهمال من جانب فرنسا. فالجزائر تطالب فرنسا بوقف الملاحقات القضائية ضد الدبلوماسيين الجزائريين المتورطين في قضايا تصفية معارضين على الأراضي الفرنسية وإطلاق سراح المحتجزين منهم.
مبادلات قانونية محتملة بين باريس والجزائر
من الممكن أن يكون تصلب الجزائر في ملف كريستوف غليز مرتبطًا بملاحقات قضائية فرنسية ضد بعض عناصر جهاز الاستخبارات الجزائري المتورطة في تهديدات خارجية. وفقًا لهذا المنطق، تقترح الجزائر عملية تبادل: إيقاف الحكم ضد غليز مقابل إنهاء الإجراءات ضد الدبلوماسيين الجزائريين. ومع ذلك، فإن ما يمكن تخيله في الجزائر قد يكون صعب التطبيق في فرنسا بسبب مبدأ فصل السلطات.
إلى جانب ذلك، هناك مواضيع أخرى تُغذي خيبة الأمل الجزائرية، مثل دعم فرنسا الواضح للمغرب خلال قضايا الصحراء، وكذلك ما يُعتقد بأنه تعاطف فرنسي مع دعاة الحكم الذاتي في القبائل، بالإضافة إلى تردد باريس في تحقيق أي خطوات قانونية ضد بعض المعارضين الجزائريين الذين يتمتعون باللجوء السياسي.
ورغم الحاجة المتبادلة للعودة إلى علاقة أكثر هدوءً، تبدو العلاقة بين باريس والجزائر محملة بالكثير من القضايا التي تحتاج إلى معالجة قبل التفكير في سيناريوهات أفضل. وقد عبّر إيمانويل ماكرون عن قلقه الشديد تجاه وضع كريستوف غليز، ملتزمًا باتخاذ خطوات من أجل الإفراج عنه. ومع ذلك، تظل التساؤلات قائمة: ما الذي يمكن للرئيس الفرنسي اتخاذه مزيدًا من الإجراءات لإنقاذ الصحافيين من السجون الجزائرية؟

