خرجت إحدى الصحف الجزائرية بمقال رئيسي تناول موضوع الحرائق في جيجل، متحدثةً عن ارتباطها بما أسمته انتقام مجموعة من الشباب الفرنسيين من أصول جزائرية. في ظل الأحداث الأخيرة التي شهدتها المدن الفرنسية، أعرب كاتب المقال عن رأيه بأن هذه الاحتجاجات ليست مجرد رد فعل عابر، بل هي نوع من “عملية ردع وانتقام” تستهدف المؤسسات الحكومية الفرنسية، في محاولة للضغط على الحكومة الفرنسية بسبب الأزمات التي تمر بها الجزائر.
الصحيفة استندت إلى ما ورد في وثائقي بثته وزارة الدفاع الجزائرية، الذي يدعي أن حرائق غابات الشرق الجزائري في أواخر شهر غشت كانت مرتبطة بتوجيهات فرنسية وتنسيق مع بعض المعارضين في المهجر. وتعتبر هذه الرواية بالنسبة لبعض وسائل الإعلام الجزائرية مبررًا لاستهداف البلديات الفرنسية، حيث اعتبرت هذا السلوك “شريعة المعاملة بالمثل”، مما يضعه في إطار الإشادة بأعمال قد تُصنَّف كإرهابية.
الخطاب الإعلامي الذي تم تقديمه يعكس نوعًا من الازدواجية؛ حيث يحاول البعض تلميع صورة الأشخاص المتورطين في أعمال التخريب، مما يؤدي إلى ربط أعمال العنف بالجاليات الجزائرية في فرنسا، مما ينمي ذلك شعورًا ضدهم بين المجتمع الفرنسي. وقد تكون هذه الرسائل مدعومة من جهات سياسية في الجزائر، التي تسعى لاستغلال الأحداث لتحسين صورتها محليًا ودوليًا.
ويعتبر هذا التدخل في الشؤون الداخلية الفرنسية ليس بالأمر الجديد، إذ سبق وعبّرت الجزائر عن استغرابها حيال ظروف وفاة شاب جزائري في نانتير، متهمةً الحكومة الفرنسية بالتقصير في حماية الجالية الجزائرية. هذا الموقف يعكس رغبة الجزائر في فرض وصايتها على الإدارة الأمنية في فرنسا، وسط أجواء مشحونة بالاضطرابات.
كما شهدت الأشهر الأخيرة تحركات رقمية مكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تم إيقاف عدد من صانعي المحتوى الجزائريين في فرنسا بسبب نشر محتويات تحريضية تتماشى مع توجهات الحكومة الجزائرية. ومن بين هؤلاء، كان الناشط زازو يوسف الذي حُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا بسبب دعوته الصريحة لحمل السلاح.
وفي جانب آخر، يواجه المعارضون الجزائريون صعوبات جمة نتيجة مواقفهم السياسية. على سبيل المثال، تعرّض الناشط أمير دي زاد للاختطاف في ضواحي باريس، في حين تواجه الاتهامات بشأن الحرائق التي شبّت في جيجل حالة من التعقيد والتداخل.
هذه الأحداث تعكس استراتيجية مستمرة تهدف إلى توظيف كل أزمة سياسية أو اجتماعية في فرنسا لخدمة الأجندة الداخلية للسلطة الجزائرية، حيث يُنظر إلى أبناء المهجر كأداة ضغط في أوقات التوتر، بدلاً من اعتبارهم أفرادًا مدمجين ضمن المجتمع.
في النهاية، فإن الذين يدفعون ثمن هذه الحسابات السياسية هم آلاف المواطنين من حاملي الجنسيتين، الذين يتابعون حياتهم بشكل اعتيادي، بعيدًا عن الشغب، ليجدوا أنفسهم ملاحقين باتهامات جماعية تعززها الحملات الدعائية السياسية.

