علم موقع Le360 من مقربين من الراحل سعد الحساني أنه اختار قضاء أيامه الأخيرة في بيته بمدينة الدار البيضاء، محاطا بأفراد أسرته، وذلك بعد فترات متتالية من العلاج خلال الأشهر الماضية. وقد فضل تلقي الرعاية في منزله عندما تضاءلت آمال تحسن وضعه الصحي.
وتشهد الساحة الثقافية المغربية بفقدان سعد الحساني، أحد الرواد الذين ساهموا بجرأة في تشكيل معالم تاريخ الفن المعاصر بالمغرب.
مسيرة فنية وتجريبية ملهمة
وُلد الحساني عام 1948، ليكون جزءا من جيل من الفنانين المغاربة الذين تمكنوا من فرض بصمة بصرية قوية ومستقلة على الساحة. لقد ساعدته موهبته الفطرية في التحرر من القيود الأكاديمية لمعاهد الفنون الجميلة، مما منحه مجالا أوسع لتطوير رؤية تشكيلية خاصة، على الرغم من اتصاله المبكر برواد «مدرسة الدار البيضاء» وإقامة علاقات متينة مع أقطابها.
ظهر شغفه بالفن مبكرا، حيث نظم أول معرض له في سن الثامنة عشرة. تأثرت عوالمه الجمالية بمصادر وتجارب متعددة، منها «الفن البدائي» ومدرسة باريس والتعبيرية التجريدية، وصقُلَت بتجاربه في أوروبا.
ومع بداية السبعينيات، بدأ عرض أعماله في المغرب وخارجه، ليلفت انتباه النقاد وهواة اقتناء الفن بفضل قوة المقترحات البصرية التي قدمها.
بعد استقراره في الدار البيضاء، المدينة النابضة بالحياة والتي ألهمته، أصبح هو نفسه مراقبا حصيفا وفاعلا أساسيا في المشهد الثقافي المحلي.
فنون النحت وتقنيات الألوان
يمكن للمتأمل في أعمال سعد الحساني أن يكتشف أسلوبا فريدا يصعب نسيانه، إذ يتنقل بسلاسة بين التجريد والتشخيص الخفي. يظهر ذلك في تعامله الخاص مع المادة، حيث لم يكتفِ فقط باستخدام الألوان بل كان ينحتها ويخدشها، مما يعطي لوحاته مظهراً يحمل آثار جهد جسدي واضح.
يتجلّى حضور الأطياف كعلامة فارقة أخرى في أعماله، حيث تظهر الوجوه البشرية أو الحيوانية، وخاصة الطيور، ليس بأسلوب واقعي بل كظلال تعكس مفهوم الحضور والغياب في آن واحد.
تنبع هذه الأشكال من ضباب خفيف، محاطة بأجواء تحمل نكهة من الشجن والهدوء الروحي. تدعو لوحاته، التي تهيمن عليها تدرجات الأبيض والرمادي والأسود، إلى التأمل والغوص في الذات.
كان الراحل يرى في الرسم وسيلة للصمت، حيث تترك لوحته تتحدث بدلا عنه، مما يعكس صرامته الإبداعية.
تراث ثقافي وإرث ممتد
تجاوزت القيمة الفنية للحساني حدود مرسمه، حيث كان شخصية محترمة تسعى دائما إلى خلق جسور التواصل بين الكتاب والشعراء والفنانين الناشئين. دافع بقوة عن ضرورة تنظيم سوق الفن بالمغرب وحماية حقوق الفنانين، لتستقر أعماله اليوم ضمن مجموعات متاحف ومؤسسات وطنية ودولية مرموقة، من بينها “متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر” بالرباط.
تميز الراحل أيضا بإنجاز مشاريع فنية كبرى، حيث كان يستجيب بفعالية لمطالب عمومية تسلط الضوء على طاقته الإبداعية، مثل الجدارية الضخمة التي أنجزها بمساحة 220 مترا مربعا للمعرض الدولي في لشبونة عام 1998.
رحل سعد الحساني لينضم إلى جيل الرواد الأوائل في تاريخ الفن المغربي، مخلفا وراءه وصية بصرية دائمة تمتلك من القوة ما يجعلها تستمر في إلهام الأجيال القادمة والمساهمة في تحديث الفن المغربي.

