منذ الخطوات الأولى لمسيرة الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة، ووزير العدل والحريات يعمل على التأطير والتوجيه في جعل الروح التي تسود العاملين بوزارته بعنوان الوطن أولا ومصلحته فوق كل شيء، والتحفظ الذي ينأى عن التقاطب مع جميع الشركاء المفترضين، والمرونة التي جعلها الوزير منهجا في تشاركية واسعة، أفضت إلى توافقات غير مسبوقة في العديد من المشاريع التي حملها الإصلاح.
لكن هذه اللوحة الجميلة لم تسلم من تلك الاستثناءات المؤرقة، والمعيبة، كهاته المؤامرة التي يتعرض لها مشروع القانون الجنائي، الذي يعد جزءا أساسيا من التصور الشامل للإصلاح، بعدما مر بمراحل غير مسبوقة في تاريخ الإصلاحات بالمغرب، بدءا من الحوار الوطني الذي نظم في أزيد من 14 شهرا، وشمل الفاعلين في القضاء وأعضاء لجنتي العدل والتشريع بمجلسي النواب والمستشارين، وفعاليات المجتمع المدني، وعلى رأسها الجمعيات الحقوقية. وبعد إعداد المسودة الأولى لمشروع القانون الجنائي، فتح الحوار مجددا مع مختلف الشركاء الآنف ذكرهم، بعد ندوة وطنية موسعة، بمشاركة المئات من المسؤولين القضائيين والقضاة ونواب الأمة والحقوقيين والمهتمين، ومسؤولي المؤسسات الوطنية، وتلقت الوزارة المئات من التعديلات، لتصل اللجنة المكلفة بالإعداد برئاسة وزير العدل والحريات إلى المشروع النهائي بعد المرور على أزيد من عشر مسودات… يشهد القاصي والداني أن الحوار لم يكن ترفا ولا خرفا، لقد وجدت الجمعيات الحقوقية آذانا صاغية، ومحاورا حكيما، لم يستأسد بالمنصب، وهو ما اعترف به الجميع، حتى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي لقيت تعديلاته في مشروع القانون الجنائي مكانة لائقة. لقد كان سيف الزمن مسلطا بشكل دائم، وباليقين أنه انتصر جزئيا بالنظر للكم الهائل من الأوراش المفتوحة في الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، ومن بين ما انتصر فيه أن أجبر وزير العدل والحريات على تقليص التعديلات المقترحة إلى النصف (تقريبا)، تم الاستغناء فيها على مجموعة من القضايا التي تثير جدلا مجتمعيا واسعا، والإبقاء على التعديلات التي تعد تنزيلا لمجموعة من مقتضيات الدستور. وكانت المادة الأخيرة التي عرفت نقاشا مستفيضا تلك المتعلقة بالإثراء غير المشروع، عرفت أخذا وردا، وتم الاهتداء فيها إلى صيغة توافقت عليها الحكومة، قبل دفع المشروع إلى البرلمان، لاستكمال المسار التشريعي. إن الداعي إلى التذكير بهذا المسار الطويل والشاق لمشروع القانون الجنائي هو المؤامرة التي يتعرض لها في البرلمان، فما التحكم تعريفا وتشريحا إن لم يكن هذا الذي يتم تحت قبة البرلمان؟ وعلى مسؤوليتي الشخصية، أقول إن عين التحكم أن يتأبط حزب الأصالة والمعاصرة رئاسة مجلس النواب لإقبار مشروع القانون الجنائي، ومنع استكمال مساره التشريعي. فلأول مرة يطلب فريق نيابي متمثلا في فريق الأصالة والمعاصرة رابع مهلة لتقديم التعديلات على إحدى مشاريع القوانين، وهي نقطة سوداء ستظل بمثابة حصى في حذاء هذا الحزب، الذي فضل حزبية ضيقة على مشارف الانتخابات على مصلحة الوطن. ولأول مرة أيضا يتحول رئيس مجلس النواب إلى مجرد أذن تصغي لطلبات لا تجد لها أي سند قانوني أو اخلاقي، عوض تحديد تاريخ لمناقشة التعديلات المقترحة من قبل الفرق النيابية بالمجلس إعمالا للقانون وسيرا على العرف، ومعروف أن الفرق قد تقدم تعديلات وقد لا تقدمها، ولم يكن من أعراف العمل التشريعي تمطيط الزمن لربح الوقت وإعاقة مسار مشروع قانون إلى حين إقفال البرلمان لأبوابه. وأقول بكلمة، لقد كان على حزب الأصالة والمعاصرة أن ينأى بالإصلاحات الوطنية عن الحسابات الضيقة الأفق، وأن لا يرهن القوانين المؤسسة على حوار وطني لنزوات التحكم، ونزوعات الحزبية الضيقة، وكان على رئيس مجلس النواب أن لا يرهن المؤسسة التشريعية لهذا البيع الرخيص، وأن لا يتحول إلى مجرد أداة منفذة لطلبات خارج المساطر القانونية.
المصدر: جواد غسال نشر في الرأي المغربية

