مقال السارد:
الأخبار القادمة من البلد غير سارة تماما.
بل هي درامية.
قلاقل في ناحية
بني ملال
عقب اكتشاف مؤامرة مزعومة ضد ولي العهد.
الخناق يضيق حول الحكومة التقدمية.
قوات الاستبداد والرجعية ملتفة حول ولي العهد … وهي تدفع الملك الوطني نحو المخرج الوحيد الذي أبقت عليه: إقالة الحكومة التقدمية التي هي المسؤولة-في نظرها- عن الوضع السلبي والخطير الذي تتخبط فيه البلاد.
وتقال الحكومة يوم 20 ماي 1960.
و تنفجر أحداث
الكونغو
،وتبدو المؤامرة –مؤامرة الاستعمار الجديد- مدبرة ضد الرئيس المناضل باتريس لومومبا.
من «أوراق» إدريس غير المنشورة:
كتب أوكتاف منّوني عن «سيكولوجية الاستعمار» ، وكتب ألبير ميمّي عن «صورة المستعمِر» و «صورة المستعمَر».
المستعمِر –وهو هنا رجل أبيض وفرد رأسمالي- لا يستعمر الأرض ويخضع الأهالي و حسب ، ولكنه يتسبب في تجريد إنسان المستعمرات من هذا الشيء البسيط، والأساسي، الذي به يرقى الإنسان أو يسقط: حس الإنسانية ذاته.
إن الإنسان يخضع ويقهر، ولكنه قادر على صنع معجزة، برفضه الانسلاخ عن حس الإنسانية وهو غارق في جحيم الخضوع والقهر.وإنسان المستعمرات ضرِب ويضرَب يوميا في هذا الصميم الذي يجعله يزحف كدودة حقيرة أو ينتصب كشجرة شامخة.لذا لا غرابة أن تختزن روح هذا الإنسان حدا فائقا من العنف الذي لما ينفجر قد يدمر روح الإنسان الضحية أو –بالعكس- يعيد خلقها خلقا جديدا.أما الجلاد فقد فقد روحه الإنسانية في اللحظة التي صرخ فيها كجلاد في وجه أخيه الإنسان: اركع وإلا قتلتك.
أكتب هذه الأفكار وأنا أتأمل في سيل الأحداث المتلاحقة في اللحظة التي أكتب فيها:
فيتنام
،
الجزائر
،
كوبا
،
الكونغو
…وأسجل كخلاصة :خلاصة من؟ خلاصة ماذا؟ خلاصة كيف؟ سيكولوجية الاستعمار أم فلسفة المقاومة؟ «صورة المستعمِر» و «صورة المستعمَر» أم أن الاثنين هما وجهان لكائن واحد؟
مقال السارد:
قضى المهدي جزءا من صيف المنفى مع العائلة في مستحم شاتلغويون بوسط
فرنسا
.
هنا تنبع مياه معدنية مشهورة بشفائها لأمراض الجهاز الهضمي: وكانت أم الأولاد قد بدأت تشكو من آلام في البطن ، فاقترح المهدي سفرها إلى المستحم المذكور واستغلال الفرصة لقضاء عطلة عائلية.وقام عبد القادر (الأخ الذي يعتمد عليه في مثل هذه الأمور) بالإجراءات اللازمة.ووجد المهدي نفسه مع غيثة والأولاد: البشير وسعد والمنصور و فوز في قلب طبيعة ساحرة وهدوء خارق.وانتبه المهدي إلى أن الأولاد يكبرون في غيبته.فراح يحس بما يشبه كآبة دفينة تستيقظ في غوره وتنتشر مثلما تنتشر الأبخرة حول مياه
العيون
المتفجرة في شاتلغويون.ولكن مرحه الطبيعي يتغلب فيمازح غيثة مؤاخذا إياها بعدم الاهتمام الكافي بالشكل العصري الذي يحرص على أن تظهر به في الاستقبالات، و»يجبد» أذن البشير المتعثر في حل مسألة حسابية رياضية ،ويردف التوأمين المنصور وسعد فوق ظهره ويروح يركض بهما خببا في الغرفة.
لكن في أويقات معينة (غالبا لما تغيب الشمس ، والظلام لم ينتشر بعد بالكامل) يحس المهدي بالوحدة (وهي وحدة يحتار كيف ينعتها) فينطلق هائما في جولات مسائية في ضاحية شاتلغويون تذكره بتلك الساعات التي كان يقضيها راكبا دراجته الحمراء في دروب وشوارع
الرباط
.
إنه يفتقد حقيقة ضجيج السويقة النهاري… بقدر ما يفتقد سكونها الليلي.
كما أنه يشتاق كثيرا إلى وقفة –مجرد وقفة- في الزاوية التي تطل على النقطة التي يلتقي فيها نهر أبي رقراق بالمحيط الأطلسي ، ويملأ رئتيه بالهواء المشبع بالرطوبة ورائحة السمك والأعشاب البحرية اللاصقة بالصخر الصلد الممتد على حد البصر.
إن شاتلغويون قرية سياحية صغيرة بالكاد يتعدى سكانها الألفين نسمة.وقد علم المهدي أن الأديب الفرنسي غي دو موباسان أقام بها وخلدها في أحد نصوصه القصصية.وود المهدي لو أنه يحصل فورا على هذا النص ويقرأه: فحتما كتب موباسان انطلاقا من ذات الشعور الذي يخالجه هو الآن، المهدي بنبركة : شعوره بكونه مجرد «فكر» محدود داخل «امتداد» لا محدود!
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

