تقدمت نحوي وفي عينها اليمنى منجنيق، وفي عينها اليسرى كرة لهب، فأيقنت أنني ميت ميت.
منذ أربع ساعات وهي تنتظر عودتي بالثلاث بيضات، ولم أعد. كل شيء كان ينتظر.. المقلاة والزيت والخبز وحبات الطماطم وبراد الشاي.
البقال لم يكن يبعد عن البيت إلا بعشرة أمتار تقريبا، ورغم ذلك لم أعد. تعمدت ألا أعود. قلت لنفسي الماتش أفضل من الأومليط بماطيشة، وأفضل من شقيقاتي الصغيرات اللواتي يشبهن العناكب. كان واضحا أن شيطانا صغيرا يحرضني على التمرد على الأومليط، وكان يقول لي: «قربتي تولي حنش.. لم يتبق إلا القليل». لا أريد أن أكون حنشا، ولا أن آكل بيضا على الإطلاق. تعبت من أمعائي التي تضحك، ومن جلدي الذي بدأ يتفسخ ويغبر ويمتقع.
لم أكن مستعدا للإفصاح عن أن معاندة الأومليط اللعينة هي التي قادتني إلى الماتش، ولم تكن مستعدة لسماع أو قول أي شيء. كان قتلي هو الحل، وكنت أرى الموت في عينيها. أخذتني من يدي بقوة وألقت بي داخل المرحاض ثم أغلقت الباب بإحكام. تخيلت شقيقاتي الصغيرات يغمسن الخبز في مرق الطماطم المقزبر ويشربن الشاي البارد قبل الذهاب إلى المدرسة، وتخيلتها تستبطئني فتخرج إلى الزقاق حاسرة الرأس حافية القدمين مرتجفة الكتفين. باب البقال مغلق.. وكل الأبواب مغلقة إلا باب الجحيم الذي كان محاصرا بثلاث بيضات وبعدد لا يحصى من الزلات. تخيلتها تهجم بصلافة المحاربين على «الكاشو» ثم تمسكني من ذراعي وتأخذني إلى أقرب خلاء رملي. تحفر حفرة بطول جسدي. تردمني داخلها بدون شفقة، ما عدا الرأس الذي يظل عرضة للشمس. وجهي يتحول إلى شطيرة لحم مشوية وسرب من العقبان يحلق فوقي ويحط على كتفي. وتذكرت تسجيلي لثلاث أهداف في مرمى الخصم وخسارتنا المدوية بسبعة أهداف مقابل أربعة.. وتذكرت الجوع والأومليط اللذيذة وشقيقاتي ودرس المحادثة والتربية الوطنية وفوائد الصوم..
لما أفقت، عرفت من عيونها أنها غفرت لي، وأنها لا تنوي إرغامي على أن أصبح حنشا على الإطلاق. رأيت في عينها اليمنى كوب حليب ساخن، وفي عينها اليسرى وسادة حنان.. وثلاث قبلات على جبيني عوض ثلاث بيضات في المقلاة.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

