أعاد حادث اختطاف طائرة مصرية، بسبب «الحب»، إلى الذاكرة قصة أهل النيل مع العشق، منذ غابر الأزمنة إلى اليوم، ذلك أن «العشق» حالة مصرية بامتياز، منذ الزمن الفرعوني القديم، بالشكل الذي جعل «الشجن» قيمة وجودية عند المصري.
بالتالي، فإن من يرى في ذلك الحادث، مجرد حالة «شاذة» لرجل طوح به الغرام، وهجر الحبيب، أو مجرد مغامرة غير محسوبة لرجل «مختل»، أخشى أنه لا يدرك عمق الحقيقة المصرية، الخاصة ب «الحب». فالتربية السلوكية، هناك، عند أقدام أبي الهول، في هذا المجال بالضبط، مختلفة عن باقي التجارب الإنسانية عالميا. فالمصري عاشق حد الهوس، لأن التربية السلوكية، المتوارثة، منذ الزمن البعيد للحضارة، تلك التي خلقها خلط ماء النيل مع فيض الطين القادم من عمق إفريقيا الشرقية، من جبال أوغندة وكينيا وإثيوبيا، هي تربية ممجدة لمعنى خاص للعلاقة بين الذكر والأنثى، بين المرأة والرجل. وهي في العمق، تجل للتلاقح الذي تم بين إفريقيا السوداء (عبر النيل) والمتوسط. والمصري في العمق ليس سوى فيض ونتيجة لذلك التلاقح.
علينا الانتباه إلى معنى العلاقة في رسومات مصر القديمة وتماثيلها، بين تيمة التماثيل والرسوم الإفريقية السوداء (الحاضر فيها خطاب الجسد) وبين تيمة التماثيل المتوسطية الفينيقية والآشورية والإغريقية القديمة (الحاضر فيها خطاب الروح). فالمصري في العمق، هو نتيجة تلاقح (وخلطة) بين إفريقيا والمتوسط، أي بين «خطاب الجسد» و «خطاب الروح». والرؤية للمرأة، بالتالي، في ضفاف النيل، هي رؤية لا تتطابق بالضرورة مع رؤية «ثقافة الصحراء» تلك التي في كل الجوار المصري، حتى وتسعون بالمائة من بلاد مصر، صحراء. ففي تلك البلاد، لعب الماء دوره، وحول النيل الإنسان، الذي تربى على الحياة على ضفافه (ودب في أديمها أيضا)، إلى قصة سلوكية مختلفة، لا هي بالإفريقية السوداء الخالصة، ولا هي بالمتوسطية الفينيقية الإغريقية الخالصة ولا هي بالعروبية الصحراوية لشبه جزيرة العرب الخالصة.
علينا، أن ننتبه (وهذا أمر ذكرته العديد من الدراسات العلمية الرصينة، من قبيل كتاب «تاريخ الحياة الخاصة» لكل من فيلليب آري وجورج دوبي. وكتاب «25 قرنا من الزواج» لبيير أوديات)، أن من الحضارات القديمة التي مجدت «الحب» وجعلت له إلها خاصا مستقلا، هي الحضارة المصرية الفرعونية القديمة. بل أكثر من ذلك، أن الرسومات القديمة لتلك الحضارة (والرسم دفتر للحياة، لكنه أيضا كراس للتعلم للأجيال المتعاقبة)، نجدها الوحيدة التي تساوي بين الرجل والمرأة، وقوفا وجلوسا. وإذا ما قورنت بالأثر الحضاري للرسومات والتماثيل اليونانية، مثلا، أو الآشورية، سنجد أن وضعية كل من الرجل والمرأة في تلك الحضارات المتوسطية، مختلفة وليست متساوية. بل، إنه في قصة تاريخ الزواج (وهذا أمر سبق وفصلت فيه ضمن كتابي «اللذة والعنف.. تاريخ الزواج»)، نجد أن التجربة الإنسانية الوحيدة التي كان فيه حق الاختيار في الزواج، مكفولا للجنسين معا، هي التجربة المصرية القديمة. وأن معنى الاختيار هو حق «العشق». وربما الذي ساد اليوم، منذ سادت الحضارة الغربية بعد الثورة الصناعية في القرن 17، هو معنى إغريقي أكثر لتمثل العلاقة بين الرجل والمرأة، حجب عنا حقيقة تلك العلاقة كما كانت بين حضارات بشرية أخرى، ضمنها الحضارة المصرية. أليست تقول البطلة الزنجية لحبيبها الزنجي في مسرحية «الزنوج» للكاتب الفرنسي الشطاري الرفيع، جون جونيه (الذي اختار أن يدفن بالمغرب في ربوة على المحيط)، متسائلة باستغراب: «هل علينا أن نحب بعضنا فقط على طريقة البيض؟».
إن المصري اليوم، حين يذوب في «الشجن» ويمجد قيمة «الحب»، يكاد ينسى أنه إنما يتصالح مع ماضي أجداده القدامى، الذين كان الزواج يتم عندهم باختيار حر بين العاشق والمعشوق. وليس اعتباطا أن إلهة الحب امرأة هناك «إيزيس»، وليس اعتباطا أن كيلوباترا داهية السياسة، مثال لذلك الحق في الاختيار في الحب. وليس اعتباطا أن امرأة العزيز «زليخة»، التي طوح بها «شجن يوسف»، هي التي بادرت للدفاع عن عشقها، وقدت قميصه من دبر. وكل «ديوان الشعر» في مصر، الصوفي والشعبي، البدوي والمديني، منذ غابر الأزمنة ، طافح بتلك الثقافة السلوكية التي تجعل المرأة والرجل متساويين أمام الحق في «العشق». وليس اعتباطا، أيضا، أن المصري نحت لنفسه قاموسا ولغة خاصة في هذا الباب، لا نظائر لها، في باقي التجارب الحضارية، لأنه إذا كانت لغة الصمت وسيلة تعبير عن الوله والحب في حضارات مثل حضارة المغارب، فإنها في بر مصر متأسسة على الكلام والبوح والتعبير. من هنا «طلاقة اللسان» المصري الخاصة المختلفة.
إن الرجل الذي غامر باختطاف طائرة من أجل امرأة، بهذا المعنى، لا يمكن أن يكون إلا مصريا. لأن الثقافة السلوكية ل «العشق» في ضفاف النيل مختلفة منذ غابر الأزمنة ولا تزال. فالحب هناك، قبل الخبز أحيانا، بل دائما. وهذا ملمح مغر بالتأمل والتحليل السوسيولوجي والأنثربولوجي، لم تقم به المدرسة المعرفية الأكاديمية المصرية للأسف بعد، كما يجب.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

