في نهاية شارع المتاهة، وبعد ما طال به البحث وأعيته الطريق، لم يفقد الأمل، أخيرا، وجد « الصفر» التائه الفارع الطول ذو اللحية الكثة والمعطف البني القديم المائل إلى السواد الباب مفتوحا أمامه على مصراعيه، وقف مندهشا، هي المرة الوحيدة تحت الشمس التي يحالف فيها الحظ، بلا واسطة رقما مثله غير ذي قيمة، لا يملك من هذه المعادلة العصية إلا بعض المعارف من «الأصفا» المتشردة التي لاتسمن معرفتها ولا تغني من جوع وبعض الأرصفة حيث يجلس أو ينام أو يتأمل والمعطف الشهير الذي يلازمه على الدوام فوق ظهره كالبردعة والذي به عرف، بني وقديم جدا ومائل إلى السمرة، دلف في غبطة وأخذ كرسيا من بين الكراسي الفارغة وجلس يتفقد بعضا من أوراقه المهمة ، أمله في الحصول على وظيفة تنتشله من عدمه إذ لا معنى له أن يبقى صفرا أبد الآبدين، تلاحقه لعنة «بدون» كعاهة مستديمة، بدون مهنة ولا موهبة ولا شهادة ميلاد؛ وفور دخوله اهتزت له القاعة الفسيحة التي يؤثثها الفراغ ، بدأت له «الأصفار» الجامدة قبله تنتظر، بالترحيب والهتافات والتصفيقات والحياة وطول العمر، عدل الصفر المحظوظ من معطفه والتفت مبتسما شاكا في أمره متسائلا: لماذا كل هذا الترحيب؟…
أجابته «الأصفار»: لقد اخترت… كرسي الإعدام.
تحت صفير النوافذ المشرعة والنبض الحزين، مشى صديقي الصفر كالظل الوافد بخطى الواثق من نفسه بلا خوف ولا تردد نحو المشنقة، صعد الكرسي، وقبل أن يدخل رقبته في الحبل، التفت يحيي الفراغ كفزعة، متهكما: إنكم لن تعدموني ولو حاولتم ولكن مع الأسف ستعدمون هذا المعطف البني القديم المائل إلى السواد.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

