حكاية قيدوم الصحافة المغربية، سي محمد البريني، مع الرقابة ليست وليدة اليوم، ولا هي لصيقة بمهنة المتاعب وحدها، التي نذر لها عمره بالكامل، بل تعود إلى زمن موغل في القتامة حيث لرائحة الرصاص معنى الموت وتكميم الأفواه، وهي تمتد أيضا إلى فن الرواية، هو الذي أصدر في بدايات هذا الفن السردي بالمغرب روايته الموسومة ب«المحاكمة» قبل أن تطالها الذراع الأخطبوطية للرقيب السياسي وتصادر تدوالها في المشهد الثقافي.
اليوم، يعود أحد أبرز وجوه مهنة المتاعب على مدار أربعة عقود، إلى ميدان النشر بكتاب اختار له من الأسماء «قصص من زمن الرقابة». إنها رحلة تذكرية في الكواليس المعتمة لزمن كان فيه مجرد الجهر بالحقيقة، حتى لو كانت خبرا عاديا، مسيجا بأسوار السجون وبقضبان المصائر المجهولة. رحلة استرجاعية قدح فيها الأستاذ البريني ذاكرته لتبوح بما ظل طي الكتمان لأعوام ولم تكن الظروف مسعفة لاقتسامه مع الأجيال التي عاشت تحت رزح تلك السنوات السود وكذا مع الأجيال الجديدة التي لا تعرف إلا القليل عن مغرب الأمس. يعود صاحب «المحاكمة» في خط استرجاعي يمتد على مدى 112 صفحة إلى تفاصيل عاشها وهو يمارس مهنة المتاعب بجريدة «المحرر» في سبعينيات القرن الفائت ثم بعدها في جريدة «الاتحاد الاشتراكي»، التي ظل ربانها طيلة الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن يؤسس جريدة «الأحداث المغربية»، التي نشر بها فصول هذا الكتاب ضمن ملحقها الصيفي. إنه عمل يتجاوز ما هو توثيقي ذو صبغة تاريخية بكثير، ويروم صاحبه من خلال نشره بين دفتي كتاب أن «يكون شاهدا، من بين شهود آخرين، على زمن مؤلم يرجى أن تطوى صفحته طيا نهائيا، وأن تمحى ندوبه بالمضي، بجرأة وعزيمة ثابتة، في الطريق المؤدي إلى المزيد من الحرية». أهمية الكتاب لا تقتصر فحسب على المعطيات والتفاصيل الدقيقة التي يكشف عنها ضمن فصول مثيرة (المحرر الأسبوعي والطرود الملغومة وأحداث مولاي بوعزة/ المحرر وشاه إيران وظفار/ الملكية البرلمانية تحجز المحرر…)، بل تنسحب أيضا على الشكل التعبيري المشوق الذي اختاره الأستاذ البريني لسرد مادة تاريخية تختزنها ذاكرته.. أسلوب حكائي ممتع من خلال راوي يوحي بالحياد، هو في العمق طريقة فنية ليست بغريبة على صحافي ومثقف جرّب كتابة رواية واقعية عن محاكمة 63 الشهيرة ولم تفلت بدورها من قبضة الرقيب، الذي تفنن سارد «قصص من زمن الرقابة» في رسم بورتريه يحيط بجل ملامحه السلطوية.
المصدر: الأحداث المغربية نشر في الأحداث المغربية

