هناك “أخبار” يقرأ المرء سطورها أو تصل إلى مسامعه أصداؤها أو ترقب عيناه مشاهدها ، تأبى الانمحاء بسهولة من الذهن، فارضة غير قليل من التأمل والتدبر في “رسائلها” العميقة.
من هذه الطينة ” خبر” تُدوول ، في الأسبوع الماضي ، “إلكترونيا ” تحكي جمله القصيرة “قصة” مأساة أسرة تقطن داخل غرفة متآكلة الجدران بفعل “ضربات” الرطوبة بحي الديزة بتطوان ، وجدت نفسها في موقع العاجز عن توفير مبلغ 50 درهما، ثمن محلول يحتاجه صغيرها ” ابراهيم .ب “، الذي يعاني من داء الصرع ، وأضحى ، مؤخرا، عرضة للإغماء اليومي، مما ضاعف من محنته الصحية، هو التلميذ – 7 سنوات و5 أشهر – الذي يتابع تمدرسه بالقسم الثاني ابتدائي .
صبي ينحدر من أسرة غادرها الأب دون أن يترك وراءه عنوانا للاتصال به ولو أثناء حدوث الطوارئ ، فوجدت الأم نفسها مضطرة للكدح بمقهى بكورنيش مارتيل، تسندها في تحمل أعباء المعيش اليومي جدّة تعمل كحارسة في “موقف” يتوقف مدخولها الزهيد على “كرم” زبناء غير دائمين . وضع هش ازدادت وطأته بعد أن تمكن “الصرع” من”فلذة الكبد” إبراهيم ، والذي يبقى في حاجة لاستعمال دواء ” ديباكين ” إلى غاية شهر يونيو القادم المحدد كموعد للخضوع لفحوصات عاجلة .
قصة – تعج بنظيراتها “جغرافية الفوارق الصارخة ” للمجتمع! – كشفت النقاب عنها إحدى الجمعيات المحلية ، التي عممت الوصفة الطبية الخاصة بمرض “إبراهيم”، في سياق حملة تضامنية من أجل توفير بعض مصاريف علاجه، بما أن الأسرة لا “تأمين” لها ، خصوصيا كان أو عموميا، في غياب شغل قار معترف بوثائقه لدى المؤسسات المكلفة بمختلف أنواع “التأمينات الصحية”.
قصة تكشف عن حقيقة ، غالبا ما يجتهد مدبجو الخطب الرسمية ل “القفز” على مرارتها ، وهي التي مفادها أن “دائرة الفقر والعجز عن تلبية الحد الأدنى من مقومات العيش ” – حتى لا نقول الحياة – آخذة في الاتساع و”الهيجان” بشكل غير مسبوق ، في ظل موجة الغلاء الشامل التي حولت خضروات، كانت إلى زمن قريب في متناول “جيوب” الجميع، إلى “مواد” نادرة تستحق الادخار – البصل نموذجا – يلجأ إليها خلال لحظات الاستعصاء. “هيجان” جرف في طريقه مئات الأسر كان معيلوها يصنفون ضمن الطبقات الاجتماعية المتوسطة، المعول على ديناميتها في تحريك النشاط الاقتصادي، من خلال استهلاكها المكثف الذي يطال حتى “الكماليات”، قبل أن تصبح معركتها الأولى هي تأثيث ” موائدها ” بما تيسر من ضروريات ؟
فقر مدقع تكتوي ب “نيرانه” الحارقة ملايين الأسر، التي تئن تحت ضغط العجز عن تسديد ثمن دواء ، كما هو شأن “أم و جدّة إبراهيم “، أو توفير واجب كراء غرفة لا يعرف شعاع الشمس إلى حيطانها سبيلا، فكان المآل الإفراغ تحت الإكراه، ومجابهة مجهول “الشارع” بما يعنيه من ضياع .
فقر لا تجسده فقط الأعداد المتزايدة للمتسولين والمتسولات ، من كل الأعمار، – مع استحضار تواجد المحترفين المدعين بينهم – ، وإنما تنطق بآثاره المؤلمة العديد من المؤشرات ، التي غالبا ما يحول “الحياء” وعزة النفس ، دون ارتدائها للبوس العلن والجهر، مصداقا لقول العلي القدير ” يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ..” .
كيف لا تتسع دوائر العوز ونحن نعيش زمن “الاجتهاد الاستثنائي” لنيل تنقيط “التلميذ النجيب” وفق تقييمات أساتذة المؤسسات الدولية للاقتراض، بدل الاجتهاد وبذل المجهود من أجل توفير سرير لمريض لا مال له ولا نفوذ ، ومكان ليافع أو يافعة من أبناء المناطق النائية ، جبلية كانت أو شبه صحراوية ، بداخلية مؤسسة إعدادية تبعد بعشرات الكيلومترات ، تعاني الاكتظاظ وتتواجد بمنطقة لا أثر فيها لدار الطالب – الطالبة التي غالبا ما ترى النور بفضل أموال المحسنين…
صحيح أن “سماد” العقم والفشل في إيجاد الوصفات الناجعة لأدواء المجتمع المختلفة، لم ” تزود” به تربة العوز، في أيامنا هذه فقط ، ولكن الصحيح، أيضا، أن ” منتوجات” هذا “السماد” بلغت ، حاليا ، مستوى مقلقا في ما يخص “حصاد” الأعطاب البنيوية ذات التداعيات القاتمة، سواء على الفرد أو الجماعة ، وهو ما يستدعي التحلي بقليل من التواضع، والقطع مع “الكلام الوردي” الذي يعتبر “الاعتلالات” الاجتماعية المزمنة مجرد تفاصيل ، يمكن أن تنتظر دورها ضمن أجندة الأولويات الممتدة إلى غاية 2030 أو ما شابه من تواريخ!
بكلمة واحدة ، يا من يبتهجون لتقارير “كريستين لاغارد” – مديرة صندوق النقد الدولي -، استحضروا ، ولو من حين لآخر ، مسؤوليتكم في إدخال البهجة إلى قلب الصغير “إبراهيم” وأسرته ، التي بأصوات أفرادها – ومن هم في وضعها – اقتعدتم الكرسي، الذي من خلاله تخاطبكم كريستين وأمثالها في الضفاف الأخرى.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

