“… نعم، العيش في بلدتنا أمر شاق وعسير، بالنظر للموقع الجبلي للدوار ، والذي يجعل التنقل لقضاء الأغراض اليومية الاعتيادية، خطوة تفرض بذل جهد مضاعف …لكن مع ذلك نحب أرضنا ونعشق البقاء في تربتنا التي كبرنا وترعرعنا فوقها…”.
إنه ملخص تصريح تلقائي – عفوي لسيدة في العقد السابع من العمر من ساكنة دوار “معلق” بتراب جماعة توبقال القروية، مجيبة عن أسئلة طاقم تلفزي تابع للقناة الأولى زار المنطقة لإنجاز روبرطاج عن ” المرأة الكادحة والمثابرة” داخل الجغرافية الجبلية ، في سياق الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، تم بثه خلال نشرة الأخبار المسائية الرئيسية ليوم الثلاثاء 8 مارس 2016 .
تصريح ” مي زهرة” – بلسان أمازيغي لم يجبل على تنميق الكلام أو زخرفته – يترك في الذهن أثرا لا ينمحي مع أول “حركة” لتغيير القناة ، كما هو حال مئات التصريحات “المنزاحة” عن الصدق والنزاهة ، وذلك استحضارا لما يؤشر عليه من معان دالة تستدعي قراءة متأنية ومتأملة .
“مي زهرة” هذه ، الجدة ، الأم .. واحدة من النسوة اللائي يزرعن المحبة في القلوب بمجرد الاستماع لنبرة أصواتهن البعيدة عن أي تصنع أو تكلف يتوخى استعارة قاموس “تربة بيئية” أخرى، تحت يافطة ” التحضر” المكذوب عليه . تحدثت بعفوية لافتة عن يوميات نساء البلدة، “منذ اللحظات الأولى التي تلي الاستيقاظ وأداء صلاة الفجر، فإعداد الفطور للأبناء، والأحفاد الذين تنتظرهم مسالك طرقية وعرة قبل الوصول إلى أقسام المجموعة المدرسية النائية. ثم الخروج في رحلة جلب الماء عبر قطع مسافات طويلة تستلزم الصعود والنزول”، رضوخا لإكراهات التضاريس الجبلية المحيطة بموقع المسكن البسيط ، – المتواجد على علو 2500 م عن سطح البحر – ،عملية توحي وكأن الأمر يتعلق برياضة تسلق الجبال التي تمارس كهواية ومتعة ومغامرة بمحض الإرادة والاختيار ، لكن حال ” مي زهرة ” – وباقي سكان المناطق الجبلية – يرتدي لبوس الاضطرار من أجل التكيف مع الظروف الطبيعية للمجال المتسمة بالحدة و”الخشونة” .
“بعد تعب جلب الماء ، تنحني الظهور لإعداد وجبة الغداء ، ودون قيلولة أو ما شابه ، يحين موعد تحضير الوجبة الزوالية ” أكاز” ، الذي يتزامن مع عودة الأطفال الممدرسين، ليتم الخروج من جديد بحثا عن الحطب، وقبل أن تغادر الشمس سماء البلدة، يكون الانهماك على إعداد وجبة العشاء… “.
هي يوميات تفتتحها المرأة وتغلقها المرأة طيلة فصول السنة ، بل على امتداد المسار الحياتي كله، اللهم في حالة حدوث طارئ مرضي قاهر!
“مسلسل ” يومي عنوانه الكبير “تعب بلا حدود”، لم يفلح في جعل لسان ” مي زهرة ” ينطق يأسا أو تبرما ، خلافا لما أضحت عليه “موضة” فريدة في “زمن العجائب والغرائب” هذا، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن تتناقل المواقع الإلكترونية فيديوهات ” يوتوبية” ، تنطق نكرانا وجحودا ليس في حق دوار ما أو بلدة معينة، يتواجدان في هذه النقطة الجغرافية أو تلك ، ولكن “غليظ الكلام” القائم على قاموس المفردات “غير اللائقة” ، يطال – ودون استحضار للتداعيات، الآنية منها والمستقبلية – البلاد كلها ، بحجة أن ” تلك الأرض ما عطاتناش .. “؟، بشكل يوحي وكأن “الإساءة” لأرض الأصول – على الأقل في اعتقاد أصحابها – أضحت “جسرا” للمرور إلى ” قلوب” مسؤولين وفاعلين جمعويين ببعض البلدان ، في أوربا وأمريكا وباقي القارات، قصد نيل “تعاطف” يعبد الطريق نحو الحصول على أوراق الإقامة قبل خطوة “التجنيس” ، إذا لم تطف على السطح أصوات عنصرية تحول دون تحقيقها !
الوفاء لأرض المنشأ ، الذي جسدته تصريحات “مي زهرة” ، رغم المعاناة الناتجة عن وطأة ظروف تفتقر للحد الأدنى من سبل العيش المتوفرة في مناطق أخرى ذات طبيعة أقل قساوة ، يشكل “مشتركا” بين غالبية قاطني دواوير “المغرب العميق” ، الذين بقدر ما لا ينظرون بعين “الاحترام” لكل من نسي جذوره واعتبر “أصله ” ثقلا ينبغي التخلص منه و”الانعتاق” من روابطه المادية منها والمعنوية، يعزون ويجلون الأوفياء الذين يحرصون على إبقاء حبل التواصل ممتدا ، والذين لا يترددون في مساعدة البلدة على “مغادرة ” طوق العزلة والتهميش – نماذج عديدة في جهات البلاد المختلفة – من خلال إقامة مشاريع تنموية تشجع على البقاء وعدم السقوط في حبال الهجرة المفتوحة على المجهول .
إن ” مي زهرة” ، ونظيراتها ونظراءها، من سكان المناطق الجبلية والصحراوية ذات الطبيعة غير الخصبة، يستحقون كل التقدير والاحترام، وهم أهل للعناية والاهتمام ، على الأقل ، لوفائهم ل”تربة الأجداد” وتحملهم ل”قساوة” متعددة الأوجه لم تجعلهم يوما ينطقون “جرما” ؟!
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

