من بين مجموع التدوينات الفيسبوكية التي ناقشت على هذا الفضاء الأزرق التواصلي، والتي تتناول وستظل كذلك، جملة من القضايا المختلفة، داخلية كانت أو خارجية، كان لتدوينة تم تداولها والتفاعل معها يوم الثلاثاء الفارط، 22 فبراير 2016، وقع مختلف لحساسية مضمونها وتبعاته، إذ صرّح صاحبها، وهو شخصية مسؤولة، أنه قد بلغ إلى علمه بطرق موثوقة، أن «أحد المناديب لوزارة التعليم في إحدى المدن المغربية، منع منعا كليا إجراء عمليات التبرع بالدم داخل مؤسسات التعليم بحكم أن هذه الأخيرة هي مجال للتربية والتعليم وليست مجالا للتبرع»؟
تدوينة تفتح الباب لطرح أكثر من علامة استفهام، وتحفّز على النبش في أغوار وخلفيات هذا السلوك والقرار، تبيّن لنا بعد البحث في بعض من تفاصيله، أنه لم يكن بالاستثناء، وبأنه وعلى مدى كل هذه السنوات، وقف مندوب في جهة ما، للحيلولة دون أن تحتضن هذه المؤسسة التعليمية أو تلك، حملة للتبرع بمادة حيوية هي الضامنة لاستمرار الحياة، حملة تعدّ شكلا من أشكال الأنشطة الموازية التي قد تندرج ضمن «برامج» التثقيف الصحي والتحفيز الجماعي على العمل التضامني، داخل فضاء تربوي تعليمي، المفروض أنه رقعة للتحصيل العلمي، وقبله للتلقين التربوي، ولبناء شخصيات نساء ورجال الغد، وإشباعها بكل ما هو قيمي من شأنه أن يشكّل زادا لهم في القادم من الأيام!
واقعة، تبيّن كيف أن بعض المسؤولين يتوفرون على فهم خاص للكيفية التي يجب أن تكون عليها بعض المؤسسات التي أوكل إليهم تدبير تفاصيلها على المستوى الإداري، فقرروا أن يجعلوها محصّنة ضد كل فعل لا يتماشى ومزاجهم وأهوائهم، والحال أن المؤسسات التعليمية احتضنت وتحتضن تفاصيل قوافل طبية موجهة للمساهمة في التخفيف من معاناة المواطنين على المستوى الصحي في مناطق معينة، وارتباطا بالموضوع الذي نتحدث عنه، فإن استضافتها لحملات تبرع بالدم، يجب أن تكون من البيديهات الضروريات لا أن تدخل في باب المحظورات، والتي من المفروض أن تتجنّد لإنجاحها الأطقم الإدارية والتربوية لمختلف هذه المؤسسات التعليمية، وذلك بالتبرع بدمائهم، لكي يقدموا درسا عمليا لا يقف عند حدود ما هو نظري، في قيمة التطوع ونكران الذات لفائدة الناشئة، التي من خلال معاينتها لمبادرات متكررة في هذا الصدد ستتعزز لديها قناعة راسخة بثقافة التطوع بالدم، التي تعاني من فقر في الانتشار وسط مجتمع يغلب عليه طابع الشحّ حين يتعلق الأمر بالتبرع بالدم أو بالأعضاء، حيث يمتزج الخوف، بالإشاعة، وبالجهل أيضا؟
الأكيد أن هذا المندوب وغيره هم خارج سياق الزمن، الذي أثمر قبل وقت قصير اتفاقية شراكة بين وزارة الصحة ووزارة الداخلية، التي تفسح المجال للمركز الوطني لتحاقن الدم للاستفادة من الموارد البشرية والفضاءات والخبرات المتوفرة لدى مختلف مؤسسات الأمن والإدارة الترابية للرفع من منسوب التبرع بالدم واحتياطي هذه المادة الحيوية، وهو أمر يبدو معه أنه بات من اللازم أن يتم تعميم هذه الاتفاقيات على صعيد كل الوزارات، بما أن البعض لايفهم إلا بلغة التعليمات، ولا «يستوعب» إلا نتيجة لسياسة الأمر الواقع، وما دام يعتقد بأنه بمعية المقربين منه محصّنون من كل مرض وخطر، يتعين معه تمكينهم من أكياس متعددة ومختلفة من الدم ومشتقاته، نتيجة لحادث سير، أو مضاعفات ولادة، أو غيرها من التدخلات الجراحية أو مختلف الأنواع المرضية، متناسيا أنه في كل 3 ثوان يكون هناك شخص في حاجة إلى الدم، ومن بين 10 أشخاص يلجون المستشفى هناك واحد منهم يحتاج إلى هذه المادة غير القابلة للتصنيع، والتي لا يمكن توفيرها إلا من خلال التبرع. فإذا كان البعض يوصد أبواب مؤسسة عمومية لاحتضان حملة تبرع بالدم، فكيف له ألا «يمترس» قلبه وعقله، ويغمض عينيه عن مشاهدة كل تلك التفاصيل الأليمة لأطفال مرضى بسرطان الدم، وللمصابين بالتلاسيميا والهيموفيليا وغيرها من عناوين مرض بطعم ولون الدم، وألا يستحضر صورة بدلالات عميقة لملك المغرب وهو يمد يده للتبرع هو الآخر بالدم، شأنه في ذلك شأن كل المواطنين المتبرعين؟
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

