ثمة شيء تغير فيها هذا اليوم. خالتي خَدُّوج كانت تعتبرني مجنونا تماما، لأنني أغرق أمامها في الكتب والدفاتر والأقلام والقراطيس. كانت ترى أن الأطفال الآخرين يعيشون ويكبرون، وأنا أضمر وأمضغ كرات الورق التي أودعها قصائدي وأحلامي في أن أصير يوما مثل المتنبي أو المعري أو المنفلوطي.
خالتي لا تحب القصائد أو القصص، ولا تستطيع أن تشعر باختلاج كلمة تهفو إلى كلمة أخرى لينجبا المعنى. خالتي تؤمن برحبة القمح والعجين والفرن والبقال. تفرك وتصبن وتكنس وتطبخ وتنام.
خالتي تريدني أن ألعب مع أقراني، أن أكون رجلا بشارب كث وحمالتي بنطال، لا أن أعلق قدمي الصغيرتين على الجدار مثل العنكبوت. تريدني أن أعرق وأنشف وأتعضل، لا أن أصطاد القوافي وأطارد الغزلان وأصنع العرائس والمسدسات.
بدت عيناها ذاهلتين وهي تدخل باب الغرفة. كانت في الخامسة والستين، وكنت في الثانية والعشرين. لم تتزوج بعدما توفي زوجها السي بوشعيب، لم تنجب منه ولم يملأ عينيها بعده أي رجل.. لا رجل فوق الأرض يساوي ظفرا واحدا في قدم السي بوشعيب. الرجال انقرضوا كلهم، وكانت تريدني أن أجبر بخاطرها لأصير واحدا منهم، أن أتعلم كيف أحنحن وكيف أخنزر وكيف أطرطق الحزام. الرجال لا يضحكون ولا يتكلمون ولا يقرؤون الكتب ولا يتوددون إلى بنات الجيران. الرجال يلتصقون بزوجاتهم ليلا ويستيقظون صباحا مع أول خيوط الشمس ليحلقوا ذقونهم. يدخنون ويذهبون راكبين على دراجاتهم إلى المعامل البعيدة..
أفسحت لها مكانا فوق السداري، وكنت أعرف أنني سأكون معها بلا هوادة في ورطة شاسعة، لأنها أحبتني كابن لها وأنفقت علي وقتا كثيرا. الغرفة كانت كلها غارقة في الكتب التي طالما كرهتها، لكنها جلست برفق وقبلت جبيني بشفتيها المزمومتين الدافئتين. أعرف أنها كانت تعقد عليّ آمالا كبيرة..
قلت لها وأنا أحاول أن أداري ارتباكي خلف ابتسامة جافة:
آش حب الخاطر آ خالتي؟
– جيت آ ولدي غي بغيت نقول لك المسامحة..
– مالك آخالتي.. ياك لاباس؟
والو آ وليدي.. خالك السي بوشعيب وقف علي لبارح في المنام، جا بغى يديني معه..
الله يطول في عمرك آ خالتي.. باقين محتاجينك معنا حتى تشوفي اولادنا..واولاد اولادنا..
لا آولدي الله يجعل البركة.. اللي عاش حقو يحمد ربو..
هههه.. ما غادينش نخليو خالي بوشعيب ياخذك منا، واش حنا ما عندناش حقنا فيك؟
إيوا تهلى في راسك، وعنداك تنسى خالتك..
كان لا بد أن ينقطع خيط المحادثة بيننا حينما رأيتُ دمعة حارقة تحفر خدها المتغضن. كانت تحاول أن تتحاشى نظراتي حينما عانقتها بقوة ثم انكفأت على صدرها لأقبض على بَزُّولة الحنين الأولى.. ثم لست أدري كم كانت الساعة حينما أيقظني أزيز المروحة. فتحت عيني على أشباح مُجَلْبَبِين كانوا يشربون الشاي وينصتون للقرآن ويترحمون على روح خالتي خدوج.
شعرت برعب شديد وأن صرّة من الإبر تتدحرج في خاصرتي اليمنى، وفكرت في أنه قد يكون مجرد كابوس.. لكني لم أكن متأكدا تماما.. كل كتبي بدأت تفوح منها هذا الصباح رائحة الحنوط، وعلى سريري يجثم غراب وورقة بيضاء مكتوب عليها: «البحر والبحيرة لا يفصل بينهما أي حاجز، فلا تحاول أن تبقى جافا، غص في الغور.. فثمة جرة تحتاج إلى يد تجعلها تطفو على السطح. داخل الجرة ستعثر على وصية خالتك خدوج، وستقرأ: «.. ويا ولدي، أتمنى أن تحبني مثلما أحببت الكتب، وسأبقى دائما أطل عليك من ذلك التل المتكلس بملح الجنة.. سأظل ماءك الأخضر الذي تطفو فوقه قصصك الغارقة».
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

