إن ظاهرة اعتزال الفنانين وتوقف بعضهم فجأة عن الاستمرار في عطائهم الإبداعي تعد ظاهرة عالمية لا تختص بدولة أو مجتمع دون آخر.. هي ظاهرة أيضا قديمة قدم الثقافة والإبداع الإنساني في مختلف تجلياته .
وقد عرفت هذه الظاهرة شكلين من الاعتزال : الأول اعتزال طارئ يقترن بصمت طويل، ثم فك ارتباط سلس عن كل أواصر العملية الإبداعية الفنية والتحلل من لبوسها وطقوسها .
أما الاعتزال الثاني فهو اعتزال علني يفاجئنا بالصوت والصورة والتصريح الإعلامي الواعي بأهمية القرار عبر حوار خاص أو من خلال احتفاء رسمي أو مناسبة عابرة .
الأمر إلى حدود هذا السطور”الجنائزية” يعتبر عاديا ويتكرر في الساحة الفنية من حين لآخر خصوصا في الدول الغربية التي تدور فيها العجلة الفنية ضمن منظومة عقلانية ومؤسسات إنتاج ومدراء أعمال وأجندات فنية سنوية بعيدة عن الارتجال وفن الصدفة … لكن إذا ما قاربنا هذه الظاهرة في عالمنا العربي، فإن الاعتزال الفني يقترن بغرائبية انقلابه، إن لم نقل بصورته الكاريكاتورية المنمطة التي لابد أن تدفع بكل مهتم بالمجال الفني الغنائي والسينمائي والاستعراضي على الخصوص إلى التساؤل العميق حول هذه الظاهرة (الموضة) التي أضحت في السنوات الأخيرة تضرب مختلف الأجيال من الفنانين والفنانات وليس الرواد المسنين منهم فحسب، أولئك الذين قد يشفع لهم تقدمهم في العمر والإرهاق المعنوي إلى اتخاذ هذا القرار الصعب …
وقد نلتمس الأعذار لبعض الفنانين الذين آثروا في لحظة انقلابهم الفجائية أو بعد سنوات عديدة من التفكير الرصين والاستشارة مع مدراء أعمالهم وحتى مع أقاربهم وأصدقائهم أن يخلعوا عنهم (كوستيم) السهرات الأسود المرصع بنثارات البلور المتلألئة أو الفستان الطاووسي الأحمر المجرور فوق المرمر الوردي الصقيل، فيلقون بغتة بكل هذا البذخ المظهري في صوان التذكارات إلى جانب الأوسمة والتوشيحات وشهادات التقدير وألبومات المئات من الصور النادرة مع النجوم والمشاهير في بعض دول المعمورة … أقول قد نلتمس لهؤلاء الأعذار ونشفق لحال سقوطهم فجأة في زوبعة طقسهم الجديد المتلبد بغمام التشكيك فيما أبدعوا وأدوا من أغاني وأدوار سينمائية وحسرتهم في آخر لحظة على مازعموا أنهم (اقترفوه) في محراب الإبداع الفني من إنزلاقات أخلاقية جريئة باتت بعد توبتهم تتلفع بقناعة طارئة مشوبة بشعور بالذنب وكأنهم وجدوا أنفسهم فجأة على شفير الدرك الأسفل من جهنم خالدين فيها أبدا .
هذه المواقف الإرتدادية لبعض هؤلاء الفنانين تجعلنا نرتاب من جانبنا وفق عديد من المبررات حول عمق ثقافتهم العامة، بل ونحفر في هشاشة مظاهرهم الحداثية المصطنعة وزيف خرجاتهم الفنية التي بصموا بها مساراتهم، مما يجعلنا بكل تأكيد نشكك في صدقية هويتهم المهزوزة القائمة في جل الأحوال على جذور فكر غيبي ماورائي كامن في لاوعيهم ، يلاحقه ما يلاحقه من تأنيب للضمير ورهاب قائم على لائحة طويلة من المحرمات وأهوال جمة من صور عذاب القبر والحساب والعقاب في
الدار
الآخرة على كل ما اقترفوه من أعمال فنية (فواحش) في
الدار
الفانية مثلما يزعمون …
ومما لاجدال فيه أن ظاهرة التوبة والاعتزال الفني هي قبل كل شيء قرار شخصي حر شئنا هذا أم أبيناه نحن كمتلقين متفانين ومولعين بهذا الفنان أو تلك الفنانة .. والاعتزال أيضا يعبر بشكل ما عن اختيار وقناعة لاتختلف عن ذات القناعة التي ساقت الفنان بإرادة واعية وشروط موضوعية أحيانا أو بضربة حظ في كثير من الأحايين إلى الانخراط في ماراطون الإبداع الفني بماله وما عليه من ضرائب وتكلفة مالية وإجتماعية ونفسية بل وحتى صحية خطيرة .. .
فليس في نظرنا من الغرابة في شيء أن يخلد الفنان مطربا كان أم ممثلا أو غير هذا إلى راحة التقاعد الكلي وينصرف إلى حياته الخاصة ليستمتع بدفئ أسرته إن كانت لديه أسرة إلى أصدقائه وبساطة يومياته ليعيشها كما يعيشها عامة الناس لاكما تفرضها عليه بروطوكولات الشهرة التي تدفع الكثير من الفنانين المشهورين للتنكر خلف نظارات سوداء عريضة وباروكات طويلة أو الهجرة إلى بلدان في الشرق العربي أو
أمريكا
وكندا درءا لمضايقات المعجبين بهم ومشاكساتهم وهروبا من نيران صديقة كإشاعات زملائهم أعداء النجاح الحقودين … لكن الغرابة كل الغرابة في هذه التوبة (الموضة)
الجديدة
التي تنامت ظاهرتها في الآونة الأخيرة تجعلنا كنقاد فن ومتتبعين نتساءل إن كان الحقل الفني هو أيضا مستهدف من طرف هذا المد السلفي المتصاعد يوما بعد يوم خصوصا بعد هجمات الحادي عشر من أيلول الأسود والذي يجعل من أولويات أولويات معاركه نسف قيم الخلق والإبداع الإنساني الحداثي أكان غناء أو رقصا أو سينما أو نحتا وكل الفنون التي يبغضها الدين الإسلامي باعتبارها محاكاة للخالق عز وجل … ثم نتساءل كذلك كيف يستطيع هذا الفكر الغيبي أن يستحوذ على أذهان بعض الفنانات والفنانين الشباب منهم بالخصوص الذين يتوقفون في منتصف الطريق وهم لم يعطوا بعد الساحة الفنية بالقدر الذي يجعلهم يتعبون قبل الأوان ويلقون بأنفسهم في صقيع الاعتزال المتنكر في قناع التوبة مثل كثير من الشيوخ الذين قد يكون تقدمهم في السن وشعورهم بدنو نهاية العمر مبررا معقولا يشفع لهم للبحث فيما تبقى من رصيد السنين عن نوع من المصالحة مع الروح المنسية في متاهات الفن الساقط والتمتع براحة شاملة ممهورة بأجواء تأملية في الذات والوجود وفيما تبقى من الحياة …
ومما لاشك فيه أن جل هؤلاء الفنانين المعتزلين (التوابين والمتطهرين من ذنوب الفن !) قد راكموا ثروة مادية مغرية وأنشأوا بفضل إنتاجاتهم الفنية مؤسسات تجارية وصاروا رجال أعمال يرتعون في حسابات بنكية مذهلة لم يجرؤ أحدا منهم لا في الشرق ولا في الغرب العربي على التبرؤ منها باعتبارها ثروة تراكمت من أعمال يبغضها الدين الإسلامي بل مازالت ماكينة ثروتهم تدور في الحركية المالية البورصوية وتستثمرها المؤسسات المصرفية في مشاريعها المختلفة التي ينعتها جميع السلفيين بكونها إقتصادا ربويا فاسدا يحرمه الإسلام .
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

