في البدء، ثمة تفاصيل وأسرار عديدة وراء أي عمل أدبي، بالكاد لا يستطيع أي أحد أن يعرفها والعديد من الكتاب الأصدقاء يضمنون أسرارهم في كتابتهم. وأعتقد أن عملية الكتابة تجعل الكاتب يمحو تلك الاشياء العالقة بالذاكرة ليهرب ولينسى،.. الكتابة محو بمعنى من المعاني..
القاص حسن برطال من عمالقة القصة القصيرة جدا بالمغرب، سواء في الكتابة / المتن أو في الاشتغال والسبق المستمر والاختلاف، يقول في إحدى قصصه، معبرا عن معنى ما نريد :
(لما كتبت قصتي ( القصيرة جدا) خلف هذا الجدار العازل
قتلوا الزرافة لأنها المخلوق الوحيد الذي سيقرؤني…) ص 63
مسبقا ، نختلف مع العزيز حسن في تصوره وطريقة تدبيره لقبض هذا المنفلت ، يكتب سي حسن بطريقة المختلف الذي لا يستطيع أحد أن يكتب مثلها وهذا سر تجذره وتفرده ومكانته التي لن يبلغها متمكن ، مع احترامي لكل التجارب السابقة واللاحقة ..
حسن برطال ، غزير الإنتاج ، قوي الشكيمة والعناد ومتمرس طويل في الميدان، عبر الورقي والافتراضي ولا يشك أحد في تجربته وتداولها. ورغم التعتيم الذي مورس عليه سابقا، فلا يزال يكتب ويكتب ليترك ذاك الأثر والعطر الجميل .
مجموعته (الماء والبنون) الصادرة عن جمعية جسور بالناظور 2015، تضم 120 نصا قصصيا قصيرا جدا ، بلوحة الغلاف لخديجة العروسي وعن مطبعة العين بالعروي، يستهوينا الكاتب بالكتابة والاحلام والرقص مع شروق الشمس بدون حرق الظل، شمس القصة القصيرة جدا وبإهداء الى زوجته وابنه الجميل بدر..
عازف أشبه بطفل يكسر اللعبة
رغم حبه العارم للأدبي وما يحاذيه، لم تخل نصوصه من ملمس العلمي الرياضي الفيزيائي ( قرص نيوتن، أعداد غير صحيحة، سباق 1000درهم ، طبيب بيطري ، طعم الحرباء ، )..
نجد حضور التربوي (مسمار، فرفر يطلق الجرس،) التاريخي والجغرافي والعجائبي والديني الإثني (قسم ونصب ، سياسة .. والسياسي والاجتماعي.
واعتقد كما يقول يحي حقي: (الفنان يشبه الطفل يكسر اللعبة ليعرف ما بداخلها لذا يحطمها ليعيد تركيبها من جديد). لذلك يمنح الكاتب قصصه العمق الاجتماعي والخلفية النفسية ببساطة يحسد عليها وهذه البساطة لا تعني الضعف والتفكك، بل إشباع المعنى والبحث عن طيه داخل المتن القصصي.
يقوم معمار القصة لديه على الاقتصاد اللغوي، يصنع كلمات وأسطرا ملغمة بالدلالات، مفخخة حالما تنهي من قراءتها تنفجر بعمق الفكرة والاقتراب من إيقاعها وبلاغة العبارة، بالتكثيف والإيحاء وتركز كلمة أو كلمتين داخل قوسين حتى تعمق معانيه ومحدودية خبرها الموجه المباشر والتي تكتسي خصوصية مميزة بخصائص سي (حسن برطال) مفعما ببهاره ونسمته وتفرده، كل مكتوب عليه طابع : ماد إن حسن برطال، كما نقول بلغتنا .
المبني على قوة المفارقة وتسهم السخرية في خلق عوالم تخيلية وإيحائية .. منتقاة من الواقع الاجتماعي والسياسي .
نصوصه قوية غزيرة المنحى والملمس بحفر المعنى، بسيطة بساطة الحياة ، هنا تكمن صعوبتها في السهل الممتنع لا تكاد تبسطها حتى تنفجر في يدك لغما مفخخا، دالا ومدلولا، تتوخى التغيير والإشارة والتلميح والمفارقة، والإيحاء والرمز والكتابة، والمعادلة الرياضية العلمية الفيزيائية تأخذ مرجعيتها من عمق ثقافة الكاتب وطول مراسه وإثراء المساحة الثقافية المغربية والعربية في أفق خلق ترسيخ وتعميق هذا الفن العصي على أسس متينة قوية، ومقومات الكتابة التي تستوعب جميع الأجناس الأدبية والفنون المجاورة، وتستفيد باستثمار طرائق السرد وتأسيس خصوصيته وهويته وتفرده .
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

